فهرس الكتاب
وهناك نقطة حيوية مهمّة، وهي أنّ مجتمعاتنا الإسلامية لا تتمثّل الكثير من الإسلام على مستوى التصوّر والحركة والعلاقات، فقد غرقت بالأجواء الملبّدة من آثار الجهل والتخلّف بفعل مرور السنين الضائعة في متاهات الانحراف، الأمر الذي جعل الإسلام يعيش الغربة في مجتمع ممّا تعنيه العقلانية والموضوعية والإنسانية والحرية ونحو ذلك سواء على مستوى الواقع الاجتماعي أو السياسي.
ونجد في المقابل بعضاً من هذه القيم موجودة في علاقات الإنسان الغربي بالإنسان الآخر في مجتمع، بحيث تخفِّف من حدّة الانفعال ومن الاستغراق في الشخص ومن التدخّل في شؤون الآخر ومن الظلم الاجتماعي بدرجات متفاوتة بالرّغم من وجود بعض السلبيات في هذا الجانب أو ذاك، ممّا يجعل الصورة - في بعض جزئيات الواقع - في المجتمع الإسلامي أكثر ظلاماً وفي المجتمع الغربي أقلّ من ذلك في هذا الموقع أو ذاك ممّا يترك تأثيره على انطباعات الشباب عندما يبدأون المقارنة بين مجتمعاتهم ومجتمعات الغرب بقطع النظر عن صوابيّة هذا الانطباع أو عدمه.
إنّني أُريد - في هذه العجالة السريعة - أن اُركِّز بشكل مختصر حول دائرتين من الخطاب.
الدائرة الأولى: حديثي مع الشباب الذين قد يتطلّعون إلى الاستغراق في عالم الغرب كما لو كان هو الجنّة الموعودة التي تحقِّق له أطيب الأحلام، إنّ عليكم أن تفكِّروا في أصالتكم الفكرية والعملية المتمثِّلة في أصالتكم الإنسانية في الثّبات على الخط الإسلامي في حركتكم في الحياة، ولست أقصد بالأصالة أن تأخذوا بالماضي جملة وتفصيلاً، بل أقصد بها أن تؤكِّدوا إسلامكم في أي انفتاح على كل ما هو جديد في الفكر والسلوك، لأنّ الجديد ليس هو جديد العصر ليقول قائل لكم أنّ على الإنسان أن يعيش عصره في كلّ تطوّراته الفكرية حتى لا يكون متخلِّفاً عن واقع المعاصرة بما يمكن أن يجعله غريباً بين الناس لأنّ الأفكار القديمة أو الجديدة هي صنع الإنسان لا صنع الزمن، فقد يخضع الناس لفكر معيّن بفعل القوى التي تملك السيطرة على الواقع وتفرضه على الحياة من دون أن يكون للحياة أي دور في إنتاجه بفعل التطوّر.
وعلى ضوء هذا، فانّ من الضروري أن تدخلوا في عملية مقارنة - إذا كنتم في موقع الموضوعية الفكرية - بين الفكر الإسلامي الذي تنتمون إليه في التزامكم بالإسلام وبين الفكر الشائع لدى الناس بفعل عوامل القوّة التي فرضته على الواقع، فقد تجدون في الإسلام فكراً متقدِّماً منفتحاً على المصالح الإنسانية الحقيقية، وتكتشفون في الفكر المعاصر فكراً متخلِّفاً بعيداً عن الواقعية في معالجة مشاكل الإنسان المتعدِّد الأبعاد من حيث المادّة والرّوح.
إنّ المعاصرة في معناها الحيوي الإنساني ليست شيئاً في حركة الزمن في المضمون، بل هي شيء في حركة الإنسان في إنتاج إنسانيّته في قضاياه ومشاكله وأوضاعه، فلتكن لكم إرادتكم الفكرية في اختيار الفكر الذي تلتزمونه بوعي وانفتاح بعيداً عن كل الانفعالات المجتمعية التي تضغط على الإنسان بفعل الأجواء العاطفية التي تستلب فكره بطريقة (العقل الجمعي) الذي يفقد الإنسان معه استقلاله الفكري وخياره الحرّ في الاتجاه العملي.
إنّ الأصالة تمثِّل الجذور العميقة في إنسانية الإنسان في الفكر الأصيل المنطلق من الله ورسوله الذي ينفتح على الزّمن كلّه والحياة كلّها فلا يخضع للماضي والحاضر والمستقبل في حدوده الزّمنية.
أمّا المعاصرة، فهي الانفتاح على العصر في حاجات الإنسان وقضاياه الحقيقية في أبعادها المتنوِّعة بحيث يتمثّل الإنسان فيها حياته بشكل متوازن من حيث التزامه بإسلامه وانفتاحه على قضايا عصره، من خلال وعيه لهذا وذاك في اجتهاداته الفكرية ووعيه الرّوحي ممّا يملك من عناصر الاجتهاد والوعي الذي يوهِّله ليدخل في حوار مع الفكر الآخر ومع الإنسان الآخر.
وإذا كان الغرب يمثِّل القوّة العملية الكبيرة والتقدّم التكنولوجي الواسع، فإنّ علينا أن نفرِّق بين مفردات العلم في حركة الحضارة ومفردات الخطوط الفكرية والسلوكية في طريقة الإنسان في علاقته بالله وفي نفسه وبالحياة، فلا نرى في النمو المعرفي والعلمي دليلاً على صحّة المنهج الفكري في قضايا العقيدة والأخلاق والسلوك وفي معاني الرّوح والوجدان، بل يجب دراسة كل قضيّة بحسب عناصرها الذاتية وتأثيراتها الحيويّة على الواقع في خط الحقيقة.