فهرس الكتاب
ثمّ.. لا بدّ من دراسة مسألة الحريات الإنسانية في أكثر من جانب، فلا يجوز الانفتاح عليها من البعد الواحد الذي يمثِّل الحالة الفردية للإنسان، بل لا بدّ من التأمّل الواعي للجانب الفردي والمجتمعي والعنصر المادي والرّوحي بالإضافة إلى الانتباه إلى حقيقة إيمانية واحدة هي أن الإنسان من خَلْقِ الله، وعليه أن يتحرّك من موقع إرادة الله في حركته في الحياة وفي إدارة شؤون نفسه وشؤون الأرض، ممّا يجعل القضيّة مرتبطة بعلاقة الإنسان بربِّه وبنفسه وبالناس من حوله وبالأرض التي يتحرّك عليها في واقعها البيئي والتنموي وفي المخلوقات الحيّة أو النامية الموجودة على ظهرها، لتكون الحرية مسؤولة عن ذلك كلّه لأنّ الإنسان ليس هو المخلوق الوحيد الذي يعيش المأساة في تقييد حرّيّته، فللمسأساة أكثر من موقع في مفردات النظام الكوني، الأمر الذي يفرض عليه أن لا يعيش معنى المأساة انفعالاً في ذاته التي تبكي من الحرمان الذاتي، بل يعيش معها وعياً لكلّ حاجات ما حوله ومَن حوله بالإضافة إلى حاجاته، فالكون ليس إنساناً وحده بل هي حيوان ونبات وبحر وبَر وسهل وجبل ومفردات متنوِّعة هنا وهناك، وكلّ واحدة من هذه تتطلّب من الأخرى أن تتكامل معها في واقع الوجود ولا تتجاوزها لتُسقط كلّ أوضاعها الخاصّة والعامّة.
وهناك جوانب أخرى لا يتّسع المجال للحديث عنها، ولكنّني أختصر الحديث في كلمة واحدة، وهي أنّ الشباب ليس لذّة وشهوة وانفعالاً وأحلاماً سعيدة، بل هو مسؤولية وجودية ترتبط بالوجود كلّه، وإنسانيّة تتّصل بالإنسان كلّه، وروحيّة تنفتح على الله وعلى الدنيا والآخرة لتفكِّر في ذلك كلّه ولتحصل على سلامة المصير في كل أبعاده الدنيويّة والأخروية.
الدائرة الثانية: هي دائرة العاملين للإسلام الذين يتابعون واقع الإنسان المعاصر لدراسة كل أوضاعه وأفكاره وأبعاده ووسائله وأهدافه من أجل التخطيط للحركة التي تجمع ذلك كلّه لتنطلق في دراسة أفضل الوسائل لإنقاذ الإنسان المسلم من سلبيّاته ولتوجيهه إلى الاستزادة من إيجابيّاته، ومن الطّبيعيّ أن تكون مسألة الشباب والغرب إحدى الاهتمامات الكبرى للحركة الإسلامية في حقل الثقافة والدعوة والحياة، في دراسة كل المؤثِّرات الفكرية والروحية والعلمية، السلبية والإيجابية، وكل القلق الفكري والإنحراف العملي والضّياع الشعوري ومواجهته بالوسائل العملية التي تمنحه الفرصة ليعبِّر عن كلّ ما في نفسه من تساؤلات وقلق وتمرّد وضياع، للإجابة على كلّ سؤال لديه، ولعلاج أيّة مشكلة أو التخفيف منها، ولاحتضان كل مشاعره وأحاسيسه، وتقدير كل ظروفه الموضوعية المحيطة بحياته من خلال معرفة نقاط ضعفه وقوّته، وعدم الاكتفاء بالحديث عن انحرافات الشباب وضياعهم وتسجيل النقاط الاتهاميّة أو التجريمية ضدّهم.
إنّ على العاملين في سبيل الله أن يتفهّموا شباب الاُمّة ويتعرّفوا حاجاتهم الفكرية والعملية ويفسِّروا لهم كل المجملات الإسلامية، لأنّ الشباب في قلقه الرّوحي يتطلّع إلى الوضوح في الرؤية والوعي في المعرفة.
وإذا كنّا نعرف أنّ للشباب حاجاته الترفيهية واللّهوية والاجتماعية، فقد يكون من الضروري أن نعمل على إنشاء النوادي الرياضية والترفيهية التي تأخذُ بأسباب اللّهو الحلال بما يملأ فراغ وقته ويبعده عن الاتجاه إلى مواقع أخرى تمنحه اللّهو المحرّم الذي يلجأ إليه عندما يعيش الفراغ عن الأخذ باللّهو المحلّل، وربّما كان الطبيعي أن نبتعد عن الفكرة التي تتحدّث عن سلبيّة اللّهو في حاجات الإنسان العملية، فقد جاء الحديث المأثور: «ينبغي أن يكون للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يُناجي فيها ربّه وساعة يروم فيها معاشه وساعة يُخلي بين نفسه وبين لذّتها فيما يحلُّ ويجملُ أو في غير محرم فإنّها عون على تينك السّاعتين» .
ثمّ.. العمل على توفير المحاضن الإسلامية من مساجد وحسينيات ومدارس ونواد ثقافية وأجواء اجتماعية، ولا بدّ من التكامل بين الهيئات والجمعيّات، فلا يبدأ كل فريق من نقطة الصفر بل ينطلق كل واحد مع الآخر.
إنّني ألاحظ أنّ الحركات الإسلامية الموجودة في الغرب تتنوّع في أوضاعها بين حركة تستغرق في السياسة، فلا تعطي للثقافة ولا للأجواء الروحية أيّ بُعد حركيّ، وحركة تستغرق في الثقافة والعبادة فلا تمنح السياسة والوضع الاجتماعي أيّ دور، وحركة تنكمش في داخل ذاتيّاتها فتبتعد عن الواقع كلّه لتعيش في عزلة ثقافية وروحية وسياسية.
ثمّ.. هناك العصبيّات الحزبية التي تخرج عن الالتزام الإسلامي في حلال الله وحرامه، وهناك المشاكل الهامشية والجزئية التي تأكل القضايا الأساسية والكلية ممّا يعطي للشباب الطّالع فكرة سلبية عن العمل الإسلامي، فيكفر بالشخصيات الإسلامية التي تتعصّب لذاتها أكثر ممّا تتعصّب لإسلامها ولربِّها ويكفر بالتجمّعات الإسلامية أحزاباً وحركات وجمعيّات التي تعمل على إسقاط الهيكل على رؤوس الجميع إذا لم يكن الهيكل لها وحدها، وتتعصّب للإطار الضيِّق الذي تحبس نفسها في داخله ولا تنفتح على الله والأُمّة والإسلام في الحاضر والمستقبل.