فهرس الكتاب
لا تزال الطرق الصوفية في سوريا تشهد انقسامات مستمرة تؤدي إلى ظهور فروع جديدة لها. ويعود ذلك في شق كبير منه إلى النزاعات التي تنشأ على"الخلافة"بعد موت شيخ الطريقة، وهذا ما حدث مثلا في الطريقة الخزنوية النقشبندية مؤخرا، و التي تنازع فيها العم والابن على خلافة الشيخ المتوفى، وكان من نتيجة ذلك ولادة فرعين جديدين للطريقة كل منهما تعرف باسم شيخها الجديد.
ويعتبر د.العسكري بأن من أحد أهم أسباب تدهور التصوف حاليا هو"الوراثة في المشيخة، وهنا يذكر للشاذلية بأن لديهم قاعدة جيدة مفادها بأنه ليس بالضرورة أبدا أن يكون ابن الشيخ شيخا، إلا إذا كان كفئا. بينما تعاني النقشبندية من توريث في المشيخة".
في علاقتها مع السلطة والعمل السياسي
يؤكد معظم شيوخ الطرق الصوفية، بأن لا علاقة لهم بالسياسة من قريبة أو بعد. يقول البعض بأن هذا التدخل قد يحول بيننا وبين القيام بواجباتنا الإرشادية، أو أن المتصوفة منذ القدم كان لهم موقف يتجلى في الابتعاد عن الحاكم وأمور السياسة.
لكن هناك طرق أخرى، لا تتوانى عن الخوض في السياسة فيما يبدو، ولا ننسى أن شيخ الطريقة النقشبندية المرحوم أحمد كفتارو، كان مفتي الجمهورية لسنوات طويلة قبل وفاته، ومعروف أن هذا المنصب يأخذ أبعادا أكثر بكثير من مجرد البعد الديني في بلد مثل سوريا.
وفي البحث الميداني الذي أجراه د.العسكري، يجب الشيخ أحمد راجح بتكليف من الشيخ أحمد كفتارو، عن علاقة الطريقة بالسياسة بالقول"لا يمكن فصل الطريقة عن الحياة العامة، والسياسة جزء من الحياة العامة، ولشيخنا"أحمد كفتارو"تجربته الرائدة بعلاقته مع السلطان الذي أمرنا بطاعته في المعروف".
يقول د. العسكري في هذا الإطار"هناك ابتعاد، بل طلاق معلن بين الطرق والسياسة، فأغلبهم قال أن لا علاقة له بالسياسة، بينما الحقيقة غير ذلك، وقد ظهرت أهمية الكتلة الصوفية، في الانتخابات البرلمانية في مدينتي حلب ودمشق، من خلال نجاح ممثليها ومن تؤيدهم، مثلا عندما طلب الشيخ كفتارو من مريديه انتخاب المرشحة كوليت خوري على الرغم من أنها من أهل الدين الآخر، فعلوا وفازت في الانتخابات".
لكن د. العسكري يرفض اعتبار المتصوفة في سوريا من"أهل السلطة"، ويكتفي بالقول بأنه لا مشكلة بين التصوف والسلطة، على اعتبار أنه لا خطر من التصوف.
من ناحية أخرى، أثار سماح السلطات السورية مؤخرا للقبيسيات بالنشاط العلني، زوبعة كبيرة لم تهدأ حتى الآن. حيث سمح لهن بإعطاء الدروس الدورية في بعض جوامع دمشق، بعد أن ظل نشاطهن مقتصرا لسنوات طويلة على المنازل.
ومعروف عن القبيسيات عدم تدخلهن في الأمور السياسية، وذكر البوطي أن عدداً من رجال الدين خاطب السلطات قائلاً: «من مصلحتكم أن تعطوا موافقة للعمل علناً. أعطوهن المواثيق للعمل العلني لأن عملهن مستقيم ووطني، ليست فيه أي شائبة ولا علاقة له بالسياسة» .
واتفق نجلا كفتارو والبوطي على أن «الأخوات القبيسيات يقمن بالدعاء المستمر للرئيس بشار الأسد من دون التطرق إلى السياسة» . (إبراهيم حميدي- الحياة- 3-5-2006 ) .
وتمثل المواقف السابقة لبعض الطرق الصوفية، رغم تأكيدها على ابتعادها عن السياسة، مواقف سياسية بامتياز، من حيث تأييد السلطة والولاء لها، وهو ما قد يبرر التشجيع الذي تلقاه من قبلها والذي توج كما أسلفنا بالسماح للقبيسيات بالنشاط العلني. هذا"في الوقت الذي تمنع فيه أية ندوة حوارية أو اجتماع لمنظمة حقوقية أو لحزب معارض، بينما يتم السماح للمجموعات الدينية المرعية من السلطة بالنشاط العلني طول البلاد وعرضها"يقول أحد النشطاء.
الصوفية والجهاد
يقول د.العسكري جوابا على سؤالنا حول موقف المتصوفة من الجهاد:"تحدثت مؤخرا مع الصديق أسعد الخطيب، مؤلف كتاب"البطولة والفداء عند الصوفية"، وهو يريد أن يقول ويصر على أن المتصوفة كانوا مجاهدين، في الشيشان كان النقشبندية يقاتلون، والشاذلية في دمشق قاتلوا ضد الفرنسيين، وغيرهم. للأسف أنا في بحثي الميداني لم أجد ذلك، كنا نسال عن رأيهم في الجهاد فيصمتوا. لم استطع الوصول إلى إجابات وافية حول موقفهم الحقيقي من الجهاد".
قد نستفيد من تقارير المنظمات الحقوقية التي تشير إلى أن معظم المعتقلين المحالين إلى القضاء الاستثنائي بتهمة النية / الذهاب إلى العراق للقتال هناك، يتهمون بانتمائهم إلى السلفية الجهادية أو الوهابية التكفيرية، وهي المسميات الرسمية للجماعات التي توصف بالأصولية.لكن لا يمكن أخذ ذلك كمقياس نهائي، ولعلنا لا ننسى أن الشيخ أحمد كفتارو شيخ الطريقة الصوفية في مدينة دمشق سابقا، قد أفتى بالجهاد في العراق إبان الاحتلال الأمريكي. وهنا أيضا لا يمكن إغفال كون الشيخ كفتارو هو مفتي الجمهورية السابق، وما يصدره من فتاوى ذات بعد سياسي، لا يمكن أن تخرج عن القرار السياسي للسلطة السورية.