فهرس الكتاب

الصفحة 3578 من 27364

غير أن حاجة الدول لمنتدى دولي للتداول حول الشؤون التجارية المختلفة كان ملحاً على الرغم من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية، فكان أن قامت جهود منفردة بين مسؤولي القطاعات التجارية والاقتصادية التي لها علاقة بانسيابية حركة التجارة الخاصة بها، ثم تبلورت تلك اللقاءات والاجتماعات عن أطر تلقى قبولاً عاماً بين الدول، مستمدة من (ميثاق هافانا) ، شكلت فيما بعد الإطار النظري الذي بنيت عليه اتفاقية سميت: (الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة) ، واختصاراً من الحروف الإنجليزية الأولى لاسمها، تدعى (جات) [GATT] . وكان الهاجس الأول فيها تحرير التجارة العالمية من القيود التي وضعت بعد الحرب؛ وذلك بخفض الجمارك، والحد من القيود الكمية والنوعية المفروضة على السلع من قبل الدول الأطراف في الاتفاقيات. وتولد عن تلك الاجتماعات اتفاقات بين دولتين أو أكثر، وتغطي في الغالب سلعاً صناعية من المهم لأطراف الاتفاقية وضع ضوابط للتجارة فيها. ولحاجة كثير من دول العالم لمثل هذا النوع من الترتيبات التجارية، زادت تلك الاتفاقات وتعددت أطرافها، وتوسعت بعض الاتفاقيات في أعضائها والسلع الصناعية التي تشملها، وأصبحت تلك الاتفاقيات مجالاً لإنضاج كثير من الأفكار الاقتصادية في مجال التجارة العالمية. ومع كل ذلك، لم تكن (الجات) منظمة بالمعنى الفني الدقيق، وإن كان لها أعضاء مشاركون مشاركة فاعلة في كثير من مجريات اتفاقياتها، ولكنها قدمت للعالم وللفكر الاقتصادي كثيراً من الأفكار الناضجة في مجالها؛ ومن ثم اكتسب كثير من ممارساتها عرفاً دولياً مهماً، وإن كان غير ملزم للأطراف فيها؛ وتبلورت تلك في خفض كثير من الرسوم الجمركية على جملة السلع محل المفاوضات (2) . وكانت بعض الدول التي لا ترغب في الانضمام لهذا الملتقى الاقتصادي غير الرسمي تدخل طرفاً أو «عضواً» مراقباً فيه. وقد تبلور العمل التجاري العالمي المدار عن طريق اتفاقية (الجات) عن مبادئ مهمة ألخصها فيما يأتي (3) :

1-مبدأ عدم التمييز (أو: قاعدة المعاملة الوطنية) : والمقصود أن تتم معاملة كل دولة لسلع الدول الأخرى معاملة السلع الوطنية سواء فيما يتعلق بالضرائب المحلية أو الأنظمة المعمول بها. وفي هذا الإطار تعطى الدولة المشاركة في الاتفاقية وضع «الدولة الأَوْلى بالرعاية» ؛ ويقصد به: حصول الدولة على كل المزايا الممنوحة من بلد آخر للبلدان الأخرى تلقائياً حتى لو لم يكن البلد طرفاً في اتفاقية محددة، ويستثنى من ذلك البلدان الداخلة في ترتيبات تجارية إقليمية.

2-مبدأ حظر القيود الكمية: والمقصود أن يتم امتناع كل الدول المشاركة في اتفاقية الجات عن استخدام القيد الكمي (أي: تحديد الواردات بكمية معينة) في أساليب التعامل التجاري مع البلدان العالمية. ومعنى ذلك أن الدول ليس لها إلا استخدام الرسوم الجمركية كآلية وحيدة لحماية الصناعة المحلية.

3-مبدأ تخفيض الرسوم الجمركية: والمقصود أن تتعاون الدول الأعضاء في الاتفاقية بخفض رسومها الجمركية أمام الواردات الأجنبية تحفيزاً للتجارة العالمية، وتقليصاً للعوائق السعرية عليها، أو على الأقل ربط تلك الرسوم بحيث لا تزيد.

4-التعهد بتجنب سياسة الإغراق: والمقصود أن تحاول الدول الأعضاء عدم دعم السلع الموجهة للتصدير دعماً مالياً مباشراً؛ بحيث إن الاتفاقية تريد ترسيخ قيم التنافس الحر بين الشركات والمنشآت التجارية بدون التدخل الحكومي.

ومن أهم أسباب التطورات التي حدثت في مسيرة (الجات) تلك الجولات من المفاوضات بين الدول الأعضاء التي كانت تعقد كل عشر سنين تقريباً، وتسمى في البلد الذي تعقد فيه غالباً. وكانت هذه الجولات مجالاً لإنضاج التجارب في الاتفاقيات المختلفة، ولسماع الأطراف المختلفين ما عند الآخرين حول الاتفاقيات، وللنظر في إدخال سلع أخرى لتشمل في الاتفاقيات القائمة. وقد تم عقد ثماني جولات، كانت الأولى في جنيف عام 1948م. ولكن أهم تلك الجولات هي الجولات الثلاثة الأخيرة: جولة كندي (1964 ـ 1967م) ، وجولة طوكيو (1973ـ 1979م) ، وجولة أوروجواي (1986 ـ 1993م) (1) ، وكانت جولة أوروجواي أهم تلك الجولات على الإطلاق.

إرهاصات قيام منظمة التجارة العالمية (2) :

لقد تغير موقف الولايات المتحدة المعارض لإنشاء منظمة تعنى بالتجارة العالمية على نحو غير معهود. ولا شك أن لذلك أسباباً تشترك فيها مصالح الولايات المتحدة مع أوروبا، وبقية البلدان الصناعية.

وأهم تلك المتغيرات في نظري:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت