-استعار المنافسة بين الولايات ودول أوروبا على المصالح، خاصة بعدما تبين لدول أوروبا أن الولايات المتحدة قد شكلت في السنوات الخمسين الماضية أكبر تحد لدول أوروبا في جميع المجالات، خاصة التجارية والثقافية. ومن هنا ندرك أن تشكيل (الاتحاد الأوروبي) بين دول كانت متناحرة إلى عهد قريب لها لغات متعددة وثقافات متغايرة ومصالح متعارضة لم يأت اعتباطاً ولا ترفاً اقتصادياً أو سياسياً؛ بل هو حل غالي الثمن لمعضلات باهظة التكاليف (3) . ومن المهم في هذا السياق ربط الاندماجات الكبيرة التي حصلت بين الشركات العالمية، والغربية على وجه الخصوص، في كثير من المجالات، مثل الصيرفة، والخدمات المالية، والاتصالات، والتأمين، والصناعات الأساسية وغيرها. ومن المهم الإشارة إلى أن مثل تلك الممارسات كانت إلى عهد قريب تعد مخالفة للقوانين الخاصة بمكافحة الاحتكار في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الصورة القانونية تغيرت مع تغير ساحة الصراع الاقتصادي.
-كثرة الدول التي كانت مستعمرات لدول أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ مما يجعل تقديم الدول الأوروبية لمزايا تجارية لهذه المستعمرات غير مخالف للنمط التجاري المعروف والمألوف عالمياً. ولما كانت تلك المستعمرات السابقة قد أصبحت بعد التحرير (!) مجالاً خصباً لنشاط الشركات متعددة الجنسيات، فقد كانت الشركات حاملة الجنسية الأوروبية فيها مقدمة على غيرها من الجنسيات، خاصة الأمريكية في المزايا التجارية. وهذا يعني خسارة كبيرة لأسواق كبيرة بإمكان الولايات المتحدة دخولها. والعكس صحيح، فهناك دول ترغب أوروبا أن تمارس فيها دوراً أكبر، وهي تاريخياً مجال لصولات وجولات الشركات الأمريكية. ومشكلة الموز التي ثارت بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أوضح مثال على كسب الولايات المتحدة السجال في المستعمرات (1) ، ومشكلة تسليح بعض دول الخليج مثال آخر على كسب أوروبا الجولة في بعض الأسواق التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية.
-عيوب اتفاقية (الجات) السابقة في النطاق وآليات الإلزام والتنفيذ. فمثلاً، توجد ثغرات قانونية في اتفاقية (الجات) في مجالي الزراعة والمنسوجات، جعلت تلك الثغرات الباب مشرعاً أمام الدول للتنصل من التزاماتها القانونية، مؤدية لعرقلة انسيابية التجارة. وكمثال على هذا، لم تستطع الولايات المتحدة إقناع اليابان ولا الصين في ظل اتفاقية الجات بفتح أسواقهما كاملة أمام السلع الأمريكية. ويضاف لذلك عدم شمول اتفاقية (الجات) تجارة الخدمات التي أثبتت أهمية قصوى في التجارة العالمية (2) ، وقد اشتكت كثير من المنظمات الصناعية والتجارية من اختلاف المعايير الوطنية لحماية حقوق الملكية الفكرية. كذلك فإن كثرة النزاعات التجارية بين الدول في المجالات التجارية، وعدم وجود الآلية الكافية والقوية والمتفق عليها حسب نظم القانون الدولي كانت تعوق حل تلك المشكلات. ثم إن كثيراً من الممارسين للتجارة الدولية قد تبين لهم بوضوح أثر التغييرات والتعديلات التي تجريها دول العالم المختلفة على التنظيمات الخاصة بها والتي لها صلة بالتجارة على انسيابيتها عالمياً. يضاف إلى ذلك ازدياد أهمية الشفافية في التجارة الدولية وخاصة مع المعطيات الجديدة في النقود والأدوات المالية الائتمانية، وزيادة أهمية القدرة على التنبؤ في كل تلك المتغيرات الاقتصادية.
-خروج رؤوس أموال الشركات الكبرى من الدول الصناعية واستيطانها في دول نامية؛ مما شكل عبئاً كبيراً على إيرادات تلك الدول من الضرائب المفروضة على تلك الشركات. أضف إلى ذلك أن الدول المتقدمة أصبحت تنوء بأعباء ثقيلة من جراء حماية أسواقها المحلية، وخصوصاً دعم المنتجات الزراعية ومشكلات التنافس بينها حول تصريف فوائض الحاصلات الزراعية (3) ، وقد واكب ذلك شكاوى من بعض تلك الشركات بخصوص بعض الأوضاع غير المواتية من التصرفات والممارسات التجارية للدول النامية وغيرها؛ مما يضيع مزيداً من الفرص لتلك الشركات. وبطبيعة وضع البلدان الغربية وتركيبتها؛ من حيث الانتخاب السياسي والعلاقة بين الساسة ورجال المال وحاجة كل منهما للآخر، كان لا بد من تدخل الحكومات الغربية لتعديل الأوضاع الدولية لصالح شركاتها.
-التخوف من نجاحات ظهرت بوادرها في الأفق من دول نامية، وآخذة في النمو، مثل تجربة (النمور السبعة) وغيرها. يضاف إلى ذلك انهيار المعسكر الاشتراكي الذي لم تكن بلدانه من أنصار تحرير التجارة. وكان انتهاء الحرب الباردة وإدخال إصلاحات اقتصادية مبنية على قوى السوق (الأقرب للاقتصاد الرأسمالي) فرصة مواتية لطبع تلك الاقتصادات الجديدة بالطابع الرأسمالي. ثم الاستفادة من تلك الفرص التجارية الضخمة في تلك البلدان، يضاف إلى ذلك تغير السياسات التجارية في البلدان النامية وذلك بترك سياسة الاستعاضة عن الواردات واتباع سياسة تشجيع النمو الموجه نحو التصدير، وما صاحب ذلك من تخصيص كثير من نشاطات القطاع العام في تلك الدول.