وأهم أسس هذه الاستراتيجية كانت مواجهة ما وصفه صانعو السياسة الأميركية بالتهديد الذي كان الاتحاد السوفييتي العامل الأهم والعدو الأخطر بالنسبة لراسمي أسس هذه الاستراتيجية.
وقد سادت استراتيجية الاحتواء في السنين التي تلت الحرب العالمية الثانية، وعدت الاستراتيجية الأمريكية الرئيسية في حقبة الحرب الباردة، وقد تعاملت هذه الاستراتيجية مع العالم في حقبة ثنائية الأقطاب: الولايات المتحدة وحلفائها ضد الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وكانت تهدف لمنع الاتحاد السوفييتي من توسيع مدى تأثيره ليس فقط في نطاق الولايات المتحدة وحلفائها، وإنما أيضًا في نطاق الدول غير الحليفة معها أيضًا، ولدعم هذه الاستراتيجية أوكلت الولايات المتحدة للقوات العسكرية وقف التوسع الشيوعي في كوريا وفيتنام، وتحت هذه الاستراتيجية واجهت الولايات المتحدة قيادات التمرد الشيوعي في عدد من دول العالم المتطورة، كما دعمت المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الجيش السوفييتي الذي احتل أفغانستان في الثمانينيات، ونجد في تعريف السياسيين الأميركيين لهذه النظرية أن السياسة الخارجية ارتبطت بالاستراتيجية الأميركية في تحقيق هدف واحد هو القضاء على المد الشيوعي، ولكن المد الشيوعي بحد ذاته كان هدفًا فرعيًا؛ لأن الهدف الحقيقي للاستراتيجية الأمريكية كان الحفاظ على مصالحها في بقاع العالم المختلفة، وليس غريبًا أن نجد صناع السياسة الأميركية يضعون على جدران مكاتبهم خرائط تضم أكثر من أربعين بلدًا تمثل المصالح الأميركية مثلما تمثل ما أسمته الولايات بمناطق الديون القومية بمعنى المناطق التي التزمت تجاهها أمريكا بالدفاع عنها دفاعًا عن مصالحها هي.
سعى الرؤساء الأميركيون وفق هذه الاستراتيجية إلى إيجاد تحالفات استراتيجية لضمان تحقيق المصالح الأمريكية بعيدًا عن سياسة الحروب وسباقات التسلح، وسعت الولايات المتحدة منذ الخمسينيات لوضع سياسة قومية متماسكة، تماشيًا مع مبدأ ترومان إلى توضيح استراتيجية الاحتواء والاعتراف بالحرب الباردة كوضع من أوضاع العلاقات الدولية، وقام أيزنهاور بتحديد تلك الاستراتيجية، واعترفت الإدارة الأميركية منذ كيندي حتى جونسون بالاستراتيجية الاندفاعية التي هدفت للتوازن النووي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وهو مبدأ نيكسون الذي تابع الرئيس فورد الالتزام به في التفاوض مع الخصوم المحتملين، وطرح مبدأ الشراكة مع الأصدقاء والحلفاء.
ثاني هذه الاستراتيجيات التي وظفتها الولايات المتحدة في حربها الباردة كانت استراتيجية الردع التي سادت لفترة طويلة منطق الفعل السياسي الأميركي؛ وعليها بنيت الترسانة الضخمة التي جاءت نتيجة للحرب الباردة وسباق التسلح النووي.
واستراتيجية الردع تعتمد على منطق الرد بهجوم مدمر على فعل عسكري نووي يهدف للتدمير، ووفق ويدي وولت الخبير الاستراتيجي الأمريكي فإن استراتيجية الردع هي ركوب الموجة إذ يقول: عندما تواجه تهديدًا خارجيًا كبيرًا فإن الدول إما أن توازن موقفها أو تركب الموجة، ويعني بركوب الموجة الانحياز إلى مصدر الخطر.
وهناك مصطلح آخر يندرج تحت مفهوم الردع هو الإكراه، ويعرفه بول هاث وبروس راسيت بأنه: محاولة من صانعي القرار في دولة ما لإجبار صانعي القرار في دولة أخرى على التجاوب مع مطالب الدولة الأولى.
أما الإكراه فيعرفه جاك ليفي بأنه استخدام التهديدات لحث الخصم على فعل شيء، أو التوقف عن فعل شيء، وليس الامتناع عن فعل شيء لم يقم به بعد، وهو بذلك يدرج مفهوم الإكراه داخل استراتيجية الاحتواء.
طورت أمريكا فكرة استخدام الاستراتيجية العسكرية للتدمير الذي قد يصيبها جراء معارض أو معاد لهذه الأهداف، وافترضت قدرةً لإحداث إصابات ودمار صناعي ترد على أي هجوم نووي استراتيجي، وهي فكرة نشأت في الستينيات، وأخذت فيما بعد صيغة الردع أو استراتيجية الردع التي سادت المنطق الاستراتيجي الأميركي لعقود مضت وستبقى سائدة لعقود قادمة.
ولا يعني حديثنا عن هذه الاستراتيجيات بأنها كانت في أيام الحرب الباردة أنها أصبحت الآن بعد انتهاء الحرب الباردة في طي النسيان، ولكنها لا زالت في خدمة المصالح بالإضافة إلى الاستراتيجية الجديدة وهي الضربات الوقائية.
* النظرية الأمريكية الجديدة في المنطقة (الضربات الوقائية) :
ثمة تعريفات عدة لمفهوم الضربات الوقائية أو الحروب الاستباقية تبعًا للدولة التي تستخدمها في إطار سياساتها العامة.