فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 27364

والثابت أن الضربات الوقائية ليست جديدة في الفكر الاستراتيجي العالمي، ولها تطبيقاتها القديمة والحديثة على السواء، والعدوان الإسرائيلي على ثلاث دول عربية في يونيو 1967م فسر إسرائيليًا بأنه ضربة وقائية لإجهاض المخططات العربية في إنهاء وجود الدولة العبرية. كما أن ما يحدث حاليًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة على يد قوات الاحتلال، أيًا كان الاسم الذي تحمله، كالسور الواقي أو الطريق الحازم أو الاغتيالات المنهجية أو عمليات الإحباط المسبق، كلها تعبر عن استراتيجية الضرب والعدوان المسبق على الخصم بهدف إنهاكه والسيطرة على حركته التامة. وفي أثناء الأزمة التي هددت بحرب نووية بين الهند وباكستان في الفترة الماضية تعالت أصوات هندية كثيرة باتباع أسلوب الضربات الوقائية ضد ما يعتبرونه معسكرات للإرهاب الكشميري، وتغيير الوقائع على الأرض حتى لا تستفيد منها باكستان أو القوى المتحالفة معها.

ولكن في الولايات المتحدة يحدد مفهوم الضربة الوقائية بأنه ذلك النوع من النشاطات العسكرية الهادفة إلى تحديد وتحييد أو تدمير أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الآخرون قبل ان يتمكنوا من استخدامها.

ويصف الأميركيون أنصار هذا المفهوم الحرب التي يبشّر بها هذا التعبير بأنها دفاع وقائي أو ردع متمدد لكن خصومه يقولون إنه مجرد نسخة جديدة من ديبلوماسية البوارج الحربية.

وتقول كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي في تعريفها لهذه الاستراتيجية الجديدة هي استباق فعل التدمير الذي يمكن ان يقوم به عدو ضدك.

وفي موسوعة نيوستاندرد الأميركية يحال التعبير إلى بند حق امتلاك الأراضي بوضع اليد في التاريخ الاميركي وهو ما يرد أيضًا في قاموس المورد لمنير بعلبكي، حيث يعني حق الشفعة أي حق الأولوية في الشراء أو الاستيلاء على شيء واحتلاله قبل الآخرين.

* متى بدأت صياغة هذه الاستراتيجية الجديدة؟

قبل عام من الآن أطلق برنامج الأمن العالمي الذي أنشأ ضمن مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن، حيث ركزت مجموعتان من الدراسات والأبحاث على السبل الكفيلة بتحقيق ضمانات ضد التهديد عبر الحدود الذي أكد عليه مرارًا الرئيس الأميركي جورج بوش منذ ما قبل دخوله البيت الأبيض.

وضعت هذه الدراسات ما سمي بالاستراتيجية الجديدة التي لم نسمع عنها إلا بعد اندلاع ما يسمى حرب الإرهاب رغم ان هذه الدراسات أنجزت قبل أحداث سبتمبر، واستندت أهداف هذه الاستراتيجية بشكل رئيسي إلى ما جاء في تقرير جورج تينيت رئيس المخابرات الأميركية السابق لسنة 2000م؛ حيث حدد بشكل رئيسي مصادر القلق الأميركي الذي مثله مفهوم فضفاض له اليوم وعنوان كبير هو الإرهاب؛ فالدراسات حددت مصادر الخطر ضد أميركا بالإرهاب، انتشار أسلحة الدمار الشامل، تراجع دعم الحلفاء، وتطور القدرات القتالية لدى دول كثيرة ومنها من تطمح لدخول النادي النووي، وكما نرى هي ليست جديدة قدر كونها أخرجت من جعبة الجمهوريين لبناء سياسة لمن ليس لديه سياسة واضحة.

وقالت صحيفة واشنطن بوست في 10/6/2002م، إن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تصيغ سياسة عسكرية رسمية تتبنى مبدأ الضربات الوقائية ضد من تصفهم بالإرهابيين والدول المعادية لواشنطن التي تملك أسلحة دمار شامل.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين بارزين في الإدارة قولهم إن المبدأ الاستراتيجي الجديد يبعد كثيرًا عن سياسة حقبة الحرب الباردة التي قامت على الردع والاحتواء وسيكون جزءًا من أول استراتيجية للأمن القومي تضعها إدارة بوش التي من المتوقع أن تنشر تفاصيلها في وثيقة خلال الخريف المقبل.

وقال أحد المسؤولين في تصريحات للصحيفة إن الوثيقة الرسمية ستضيف ولأول مرة تعبيرات الوقائي والتدخل الدفاعي كخيارات رسمية لضرب دول معادية أو جماعات تبدو عازمة على استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين يضعون الخطوط الرئيسية للاستراتيجية الجديدة قولهم: إن الولايات المتحدة اضطرت للذهاب إلى أبعد من الردع بعد هجمات 11 سبتمبر نظرًا للمخاطر التي تشكلها الجماعات الإرهابية والدول المعادية التي تؤيدها، وقال مسؤول رفيع إن طبيعة العدو تغيرت، وطبيعة المخاطر تغيرت؛ ولذلك يجب أن يختلف الرد.

وكان الرئيس بوش قد طرح فكرة الضربة الوقائية أمام البرلمان الالماني في مايو أيار الماضي، ثم تحدث عنها بشكل موسع عندما تحدث عن التوجه الاستراتيجي الأميركي في خطاب ألقاه بالأكاديمية العسكرية الأمريكية أول شهر يونية بمناسبة تخرج دفعة من طلبتها، قائلًا إن قادة المستقبل العسكريين الأمريكيين يجب أن يكونوا مستعدين لتوجيه ضربات وقائية في الحرب على الإرهاب وللتعامل مع تحذيرات غير مسبوقة من إمكانية حدوث هجمات كيماوية أو بيولوجية أو نووية من الإرهابيين والطغاة، وإذا ما انتظرنا حتى يتحول التهديد إلى أمر واقع، فسنكون قد انتظرنا طويلًا؛ إذ علينا أن نحول المعركة إلى الخصم، نشوش عليه خططه ونواجه أسوأ التهديدات قبل أن تبزغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت