فهرس الكتاب

الصفحة 24389 من 27364

ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟! أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟ فقال له النعمان بن مقرن رضي الله عنه: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والأخرة. فلم يَدعُ إلى ذلك قبيلة إلا وصاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث. ثم أُمرأن ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعاً على وجهين: مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد ؛ فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، حسٌن الحَسَن وقبٌح القبيح كله. فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا، خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزى قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.

قال: فتكلم يزدجرد، فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم ؛ وقد كنٌا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، ولا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرٌنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خِصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملٌكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.

فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظم جقوق الأشرافِ الأشرافُ، وليس كل ما أُرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلاٌ ذلك فجاوبني، فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك.

إنٌك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع. كنا نأكل الخنافس والجعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه.

وكان حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدَقَنا وأحلَمنا. فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول تِربٍ كان له وكان الخليفة من بعده. فقال وقلنا، وصدٌق وكذبٌنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه.

فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا إنٌ ربٌكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلىٌ يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلٌكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنٌه جاء بالحق من عند الحق. وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فأعرضوا عليه الجِزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخله جنتي، ومن بقى منكم أعقبته على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.

فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ فقالا: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، وقال: ائتوني بوِقر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. إرجعوا لإلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابوره.

وقد نفذ كسرى ما هدد به وأرسل رستم قائده إلى المعركة ولكن بعد أن دب الوهن في قلبه وقلب قائده، فحاول رستم أن يتفادى المعركة بحوار مع الصحابة رضي الله عنهم، وكلما أنهى الحوار مع واحد طلب حواراً مع آخر حتى كان هذا الحوار الشهير مع ربعي رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت