وللتمثيل المهم نتحدث عما تمّ التعارف - دعوياً- على تسميته بمرحلة"الخطاب العام"، والذي استفاد من أزمة الخليج الثانية - وإن كان قد بدأ قبلها- وانبنى على فكرة توسيع دائرة الدعوة، ومحاولة إعادة الجميع لجوهر الهوية الإسلاميّة، وتذكيرهم بالمسلمات المهدّدة. فهذه المرحلة رغم الزّخم الكبير الذي صاحبها، تكاد تكون قد تلاشت بصورتها الأساسية مع المحاصرة الأمنية التي واكبت فورتها ودفعتها نحو انحدار خطها البياني. فأصبحنا-باستسلامنا لهذا التلاشي- إما أن نكون غير مقتنعين بها من الأساس، وهذا غير وارد، أو أن نكون غير متفقين حقيقة على تفاصيلها وغير متوقعين لحدة انعكاساتها، وهذا هو الأغلب والأكثر إيلاماً.
لكن لكونها التجربة الجماهيريّة الأولى للدعوة المعاصرة في هذا البلد، فلم يكن من المستغرب أن تقع في الخطأ. إنما المدهش والمحيّر أن تمرّ التجربة دون استفادة ودون مراجعة للخطوات التالية على ضوئها، وهذا يمثل خطأً أكبر وأبلغ.
وفيما يلي سرد لبعض أخطاء تلك المرحلة:
-تضخيم الرمز، دون التأكيد عملياً وليس نظرياً على حق تخطئته ومراجعته بالبرهان والحجة مع الاحترام والأدب المشاع بين المسلمين عموماً ولمثله من باب أولى. وليس من المبالغة في شيء لو قلنا: إنّ هذه القضية بالتحديد طالت حتى المواقف العلميّة الشرعيّة، فالاجتهاد الفقهيّ لأحد الرموز في مسألة فقهيّة محدّدة يتعامل معه الآخرون بحرج شديد في العلن، وإن اختلفوا معه في الدوائر العلميّة الخاصة. لا لشيء إلا للمحافظة على مكانة الرمز، وتناسينا تماماً المحافظة على حق التداول العلميّ الرصين بالحجة والدليل، وأغفلنا تشجيع الردود والاختلافات العلميّة والتي هي من أبرز مزايا هذا الدين، حتى وقعنا في التضخيم للرمز، وسلبيّات التبعيّة المذمومة له. بل أوقعنا ذلك في تناقضات وحرج علمي نجني مرارته أمام الناس اليوم، ولك أن تتأمل ما يقع في فتاوى لباس وزينة المرأة، أو حدود التعامل مع الإعلام، لترى حجم التغير فيها.
وكان بإمكان موقف واحد يُعلن فيه للعموم اختلاف الأغلبيّة أو البعض مع هذا الاجتهاد أو ذاك، أن يفعل الأفاعيل في موازنة الاجتهادات. بل كان المفترض أن نحفظ للعالم الواحد حقّه في مخالفة الجمهور ما كان مستخدماً للمنهجيّة العلميّة الصحيحة، وعلى هذا سار الصحابة وسلف الأمة رضوان الله عليهم أجمعين.
-صناعة الرمز قامت - في بعض جوانبها- على قدرات ذاتية أفادت من الظروف المرحليّة للدعوة. ولم تقم على وحدة بناء جماعيّة توصل الرمز لمكانته بطريقة تراكميّة وموضوعيّة، وتفرض عليه نظامياً أو أدبياً التحاور والتواصل معها. ولا على قناعات مشتركة محرّرة ومفصّلة بين الرمز والأوساط العلميّة المحيطة به، تلزمه -وبدوافع ذاتية- لاحترامها وتبني اجتهاداتها والرجوع لأمر الشورى فيها (مما فسر التباينات فيما بعد) .
-اجتهادات الرمز في التعبئة الجماهيرية العالية والشحن النفسي للجموع الحديثة العهد بالهداية، قد تكون مقبولة سياسياً في ذروة مشروع إصلاح سياسي، وفي بيئة تتقبل أو تم تهيئتها لذلك، أما فيما عدا ذلك فهي خطأ. ورغم تنبّه البعض لذلك في حينه، لم يكن الوسط الدعويّ بالقادر على إلزام الرمز بالتخفيف من شحن الجماهير، ولا على الترشيد من تأثير الجماهير عليه (...!!) . مما يوحي بأن تلك المرحلة في تفاصيلها كانت اجتهادات فردية عفوية، ولم يواكبها دراسات تفصيلية ولا آليات قرار جماعيّة وحيويّة. ومما يؤكد هذا الانطباع، وقوع الشلل الواضح الذي تعرضت له أغلب الأنشطة التي نشأت في ظل مرحلة الخطاب العام، إلى أن ختمت تلك المرحلة بالمحافظة فقط على المكتسبات الدعويّة والتربويّة القديمة، وهذا في عرف المدافعة السياسيّة خطأ قاتل. فلا يُقبل أن تخطو خطوات نوعّية أكبر من عناصر قوتك الحقيقيّة، إلا أن تكون قد حسبتها بدقة، ودرست ردود أفعال الطرف الآخر المتوقعة تجاهها، ووضعت في حساباتك أن تتراجع عن بعضها -لا كلّها- عند الضرورة، ثم تكمل بقية الخطوات كما هي أو تغير فيها، وتبني عليها غيرها بعد أن تهدأ العاصفة.
-ضعف قراءة الواقع المحيط وتقدير حجم ونفوذ دوائر القوة فيه، والمبالغة في تقدير عناصر القوة والتأثير الذاتية أو حجم وتأثير الجماهيرية العاطفية، أسهم كذلك في الانعكاسات التي واجهت تلك المرحلة. والغريب أن بعض الرموز والشخصيات عادت بعد المحاصرة الأمنية لتعيد الحسابات بالكامل في هذه التقديرات. مما يؤكد مرةً أخرى أن القناعات والرّؤى كانت فرديّة، وهاهي اليوم تتغير بفرديّة مماثلة.