فهرس الكتاب
-الخلط بين معايير الدعوة الثابتة ومتطلبات التعامل مع الظروف الزمانيّة والمكانيّة المتغيرة. فالتصلّب في اتباع طرق ووسائل إصلاح، ودعوة تاريخيّة ناسبت فترة معينة، لا ينفع في فترة زمنيّة مختلفة ومتشابكة ومعقدة المصالح والتداخلات. وللتمثيل فقط نشير للخلط المنتشر في حينها - ولا يزال- بين مطلب التربية الجادة للأفراد ومطلب إقامة مؤسسات الشأن العام والأنشطة والبرامج المفتوحة. فهذه المؤسسات نحتاجها بإلحاح لهذا العصر، وهي تمثل نوعاً من أنواع الجهاد الميداني الذي يجب أن يتربى عليه الأفراد دون أن تهتزّ مستوياتهم، ودون أن يشعروا بتناقض بين النظريّة والتطبيق.
-التركيز على العلم الشرعيّ بطريقة أوحت عملياً بهامشيّة غيره من العلوم المعاصرة لدى الأفراد، والاستمرار في بطء المبادرة الجماعيّة للانخراط في مستجدات العصر والإفادة من مجالاته المختلفة. حتى تفاجأنا أننا خارج السرب تماماً على المستوى العالم، في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والقانونيّة والإعلاميّة والإداريّة، التي نعيش قصوراً كبيراً في تبنّيها بصفة جماعيّة وغفلة ملموسة عن بناء مؤسساتها المتخصصة والمؤثرة، وتردُّداً في توجيه الموهوبين وأصحاب القدرات نحوها. واكتفينا فقط بتوجيه الانتقادات لوضع الأجهزة الرسميّة، أو توجيه النصائح والمواعظ للعاملين الخيّرين في هذه الأجهزة، بعد أن أصبحت هذه المجالات مملوكة بدرجة كبيرة لأصحاب التوجهات الأخرى.
-التأثر بالبيئة المحليّة والتقوقع في إطارها، رغم الادّعاء بمتابعة اجتهادات البيئات الأخرى والتفاعل معها والاستفادة منها. والمتغيّرات الأخيرة أظهرت كم نحن غارقون في سلبيات البيئة المحليّة وخاضعون لعيوبها وقيودها. والحقيقة أن القضايا الخارجيّة التي تفاعلت معها الدعوة المحليّة كالمسألة الأفغانيّة أو الجزائريّة مثلاً، قد فرضت نفسها علينا، ولم نتواصل معها ونستفد منها ابتداءً، بل كنا نتعامل معها بفوقيّة وأستاذيّة وحين تكشفت الحقائق تبيّن أننا لا نقلّ عنها أخطاءً وسلبيات أو تأثراً بالبيئات. والواقع الملموس اليوم يؤكد أن فصائل الجهاد الفلسطيني تمتلك الكثير من الدروس والتجارب والخبرات، ويشهد بنجاحها في التحرّر من ضغط الواقع الفلسطينيّ الرسميّ والفئويّ الذي كان يحاصرها ويقيدها لسنين طويلة، وهي بذلك تثبت إمكانيّة التحرّر من الضغوط البيئيّة المتواصلة، وتقيم الحجّة على مَن أخفق في ذلك، وتلزمه بالاستفادة من طريقتها.
2-الشعور بالفراغ القيادي والضعف العام:
وهذا أيضاً من الأدواء القاتلة لأي حركة تغيير أو إصلاح جماهيريّة، وخصوصاً بعد مرحلة انتشار وظهور خطاب؛ إذ من المفترض المحافظة على حريّة حركة القيادة العلميّة التوجيهيّة وفاعليّتها، ونفوذها مهما تعاظمت العوائق، قبل البدء بتوسيع الخطاب. وألاّ يُخلط بينها وبين القيادات التنفيذيّة، التي قد تظهر وقد تختفي، وقد تتراجع وتتغير. وإذا تكالبت العقبات بصورة غير متوقعة بعد التوسّع، فسيكون إبقاء القيادة العلميّة التوجيهيّة بعيدة عن الخصومات اليوميّة، وقادرة على التأثير بالجماهير وإيجاد أجواء الاستجابة لها بنزاهتها العلميّة، وتجرّدها وإخلاصها للمبدأ- ضرورة من الضرورات كي يستمر وهج الرسالة ولا يتوقف - بإذن الله - عند إيقاف هذه القيادة التنفيذيّة أوتلك، أو منع هذا البرنامج أو ذاك.
والأزمة لدينا أن القيادات العلميّة جمعت بين الدور الإشرافيّ التوجيهيّ والدور التنفيذيّ، أو بين رسم السياسات واتخاذ وتنفيذ القرارات. وحين عرّضها هذا الجمع للمحاصرة، تراجع حضورها بشكل ملحوظ، وتُركت الجموع دون توجيه بعد التواصل شبه اليومي فيما سبق. فنشأ عن ذلك فراغ قياديّ على المستوى العلميّ والتوجيهيّ العام، استغله الخصوم بتسريع برامجهم التغريبيّة وبمحاصرة البرامج الإسلاميّة.
ولعل نموذج الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، وأثره في حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية، يوضّح بجلاء ذلك النوع من القيادة العلميّة التوجيهيّة، والمستمرة الأثر رغم الإعاقة والسجن وستتواصل -بإذن الله- بعد الشهادة. ومن ذكاء وفطنة إخواننا هناك أنهم لم يسمّوا من يشغل دوره من بين القيادات العمليّة التنفيذيّة.
3-الاقتصار على دوائر الدعوة التقليدية:
التركيز على القطاعات التعليميّة ومساجد الأحياء والمؤسسات الإغاثيّة الخارجيّة، وما يرتبط بها من مشاريع، هو السمة البارزة للدعوة المحليّة. وهذا ليس تقليلاً من نفع وخيريّة هذه الدوائر، ولكن المعطيات القريبة والبعيدة كانت تدفع وبإلحاح للبحث عن دوائر جديدة تناسب طبيعة هذا العصر وتتفاعل مع تطوّراته. كما أن الفرص كانت متاحة، لكننا مضينا في التردّد والمبالغة في التحوّط وبطء الحركة والمبادرة.