ومن المفارقات العجيبة، أن العديد من شباب الدعوة الذين سافروا إلى الخارج للدراسات العليا، وحرصوا على مواصلة رسالتهم الدعويّة، صُدموا بالفارق الكبير بين تنوع وعلنية وحيويّة وانفتاح البرامج الدعويّة في تلك الدول وبين ما تربّوا عليه. وحصل لديهم صراع نفسي انتهى ببعضهم للانقطاع عن العمل المنظّم، وبالبعض الآخر لفقد القناعة بما كان عليه والتردّد فيه. بطبيعة الحال، الدعوة في تلك الدول هي حصيلة تلاقح عدة تجارب من مدارس دعويّة مختلفة، ونتيجة تأثر بنمط الأنشطة الاجتماعيّة العامة في الدول الغربيّة، لكنها لا تخلو من إيجابيات. ومن حق أولئك الشباب أن يقولوا: إن دعوتنا المحليّة هي أيضاً حبيسة البيئة التي نشأت فيها وتقولبت فيها، وكان من المفترض أن تتحرر منها، وتنفتح على الآخرين وتستفيد مما لديهم وتتعرّف على عيوبها من خلالهم، ومن ثَمّ تبتكر وسائل ودوائر جديدة، وتتحصل على الأسبقيّة بنقلها إلى البيئة المحافظة بضوابطها وقيودها التي تحرص عليها، ولا تنتظر حتى تفرض عليها من غيرها -وبالطريقة التي لا تريدها- كما هو حاصل الآن. والمصيبة أن هذا التحفظ التقليديّ والانغلاق النسبيّ في أنشطة الدعوة المعتادة، والذي كان دافعه الحرص على جودة التربية وجديتها، أصبح مدخلاً كبيراً على الدعوة مع المتغيّرات الأخيرة، مما يؤكد الخطأ في هذه الدرجة من الانغلاق، وهذا الشحّ في تنوّع الأنشطة، وانفتاحها على المجتمع.
4-المبالغة في الترفّع عن الواقع، واستهداف النخبة:
بعد المحاصرة الأمنية التالية لمرحلة الخطاب العام، عادت الدعوة للفكرة القديمة التي طرحها بعض مفكّريها المعاصرين، والتي تقضي بأن الوسيلة الأسلم للإصلاح تتلخّص في"صناعة قلّة تنقذ الموقف"، فتمحورت الجهود على اصطفاء النخبة، واستهدافهم في شتى القطاعات. ومع التقدير الشديد لتلك الشخصيّات الفكريّة ومسيرتها العلميّة، إلا أن تعقيدات هذا العصر وتداخل مجالاته وتشابك مصالحه، تجعل نجاح هذه الطريقة أمراً صعباً في هذه الظروف، وإن كانت قد نجحت في فترات ماضية.
والواقع الملموس يشهد بأن القلّة المتوفرة اليوم في العديد من المجالات، لم تستطع أن تُحدث تأثيراً يُذكر، إن لم نقل: إنّها هي التي تأثرت بالواقع الضاغط المحيط بها، أو أنها استسلمت - مغلوبة على أمرها - لتوجّهه العام، ولمصالح وأهواء المتنفذين فيه. هل يرجع ذلك لعيوب ذاتية في هذه القلة؟ قد يكون، ولو صح فهو يشي قبل كل شيء بفشل برامج الإعداد لهم؛ غير أن عصر الاتصالات الواسعة الذي نعيشه وطبيعة ثقافاته المتحررة ومجتمعاته المنفتحة ودوله وأنظمته المتداخلة المصالح، يقتضي التفاعل والتواصل مع كل الطاقات والتخصصات، ومع كل الأنشطة والمؤسسات وكل المسؤولين والمدراء في محاولة حثيثة لتغيير القناعات، وإخراج الرؤية الإسلاميّة من الإقصاء العمليّ الذي وضعت فيه. ينبغي التنسيق مع كل المعتزين بالهويّة الإسلاميّة وغير المناوئين لها، والاتفاق معهم على جوهر الرسالة الدعويّة، ولفت أنظارهم للتحديات التي تتعرض لها، وواجبنا جميعاً في التكاتف لتغيير الواقع.
5-معضلة نقل الرؤية والتصور إلى الواقع:
امتداداً للمظهر السابق من مظاهر الأزمة، لا بد من التنبه إلى أن مسؤولية نقل الرؤية الشرعيّة الراجحة والتصور الإسلاميّ الصحيح لما يجب أن يكون عليه واقع المسلمين اليوم، من مرحلة التنظير والتدليل التي أجادت الدعوة في بلورتها ونشرها، إلى مرحلة التطبيق العمليّ الملموس، لا يمكن أن تنفرد بها قلة أو نخبة، وسيكون من الإجحاف والظلم تكليفهم لوحدهم بهذه المسؤوليّة.
وهذه المعضلة بالتحديد هي مفترق الطرق للعديد من الدعوات المعاصرة، فالعجز والخلل والارتباك يتضح بأجلى صوره عند تحول هذه الدعوات إلى البرامج العمليّة الواسعة للتغيّير، وكأنها تحسب أن دورها ينتهي بالإحياء العلميّ والتأصيل النظريّ، بينما هو في الحقيقة لا يبدأ إلا مع الإحياء العمليّ للحق والعدل والسُنّة، ومع الخطوات والجهود الميدانيّة لنقل الواقع مما هو عليه من مخالفات إلى الرؤية الإسلاميّة الصحيحة. وما تفعله قبل ذلك ليس إلا بعثاً وتجديداً لعلمٍ سبقها إليه من كان قبلها. ونوعية وحكمة ذلك الإحياء العمليّ وتلك الخطوات والجهود هي المحك للنجاح أوالفشل في مهمة التغيير، وليس حجم العوائق المحيطة.
والدعوة المحليّة ليست بدعاً في ذلك، ومعضلة التغيير العمليّ هي أبرز ما تواجهه، رغم قلة البحوث والدراسات لذلك. وعجز النخبة يعود بالدرجة الأولى لانعدام الرؤية الاستراتيجيّة للتغيير عند عموم الأوساط الإسلاميّة. فالنخبة مهما أوتيت من قدرات لا يمكن أن تعمل بدون إيجاد أجواء دعم ومساندة واسعة، وبرامج تفعيل ومتابعة لجهود تغيير القناعات والترويج للرؤية الإسلاميّة الصحيحة. وهذا سيقتضي وجود علاقات عامة فعالة وحركة ميدانيّة حية بين كافة الطبقات، ومهارات عالية في التواصل مع الناس والصبر على أذاهم.