بينما واقع الأزمة اليوم، يشهد بأن القلة المعوّل عليهم - بعد الله تبارك وتعالى - لا يجيدون في الأغلب سوى مهارات كسب أعداد جديدة للدعوة -وعلى استحياء- داخل أجهزة ومؤسسات المجتمع، حتى يصبحوا أرقاماً متزايدة غير مؤثّرة ومغلوبة على أمرها. بينما هي لا تتنبه - إن لم تكن لا تجيد - للتعامل مع أصحاب القرار والمؤثّرين في هذه الأجهزة.
6-الإعراض عن أنشطة الاحتساب العام والدفاع عن الحقوق:
لئن كانت الدعوة المحليّة بفصائلها المختلفة قد نجحت بالتأصيل النظريّ والعلميّ للاحتساب على الحاكم وإداراته الرسمية، وسبقت غيرها من أصحاب التوجّهات الأخرى في هذا المجال، وتحمّلت في سبيل ذلك الكثير؛ إلا أنها - وبكل صراحة - أخفقت وتأخرت في تطبيقات ذلك العمليّة. مما أفسح المجال لاجتهادات غير مضبوطة وغير محسوبة النتائج جرّت على غيرها الكثير من التبعات، وأوجدت مستنداً لأجهزة السلطة المختلفة للمحاصرة وتشويه الصّورة.
ومظهر الأزمة هنا، أن الدعوة تأخرت وتردّدت عن السعي المتدرج المؤيّد بالاستدلال الصحيح، وعن انتهاج السبيل الأسلم والأفضل والأكثر قبولاً لظروف وواقع البلد. ولا بد من توقع التضييق والإساءة والأذى والاستعداد لتحمّل كل ذلك دون تراجع.
وغاب عن الساحة معلم مهم لأيّ حركة دعويّة إصلاحيّة، ألا وهو رفع الظلم أنّى كانت صوره، ورد الحقوق المنتهكة والمغصوبة ومحاربة الفساد الماليّ والإداريّ، وليس فقط الأخلاقيّ. وكان بالإمكان تحقيق شيء من ذلك عبر التدرّج، وعبر كسب بعض الأطراف الموجودة داخل السلطة والمتذمرة من هذه الأوضاع، بشرط أن تكون الجهود هنا شرعيّة وباسم الجميع ولصالح الجميع، وليس باسم حزب أو تيار معين.
7-تبايُن الاجتهادات:
لم يعد سراً وجود التباين بين القيادات العلميّة ورجالات الجيل الأول من كيان الدعوة. ومع أن الأحداث العالميّة والمحليّة قد زادت من هذا التباين، إلا أن بذوره كانت موجودة من قبل، ولم تحسن الأوساط الدعويّة طوال مسيرتها المعاصرة أن تضع حلولاً عمليّة لتحرير هذه التباينات والتقريب بينها، أو العمل على تفهمها، وخلق أجواء التعاون والتنسيق فيما بينها، رغم أن ما يجمع هذه القيادات أكبر بكثير مما يفرّقها. والحقيقة أن التأمل المتجرّد في هذا التباين يوصل للملاحظات التالية:
-كل طرف معه جانب من الحق يتشبث به ويجادل من أجله، حتى وإن اختلط بجوانب أخرى من الخطأ لازمة له. وعادة ما يمثل ذلك رمزاً أو أكثر، ومَن يلتقي معهم من القيادات المؤثّرة، ويمتنعوا تبعاً لذلك عن التنسيق مع الآخرين حتى يُقِرّوا لهم بالحق الذي هم عليه، ويحترموا اجتهادهم فيه دون اتهامات. وقد يشترطون تبعيّة الآخرين لهم في هذا"الحق"الذي يظهر لهم، قبل أي خطوة ملموسة للتنسيق. وبطبيعة الحال هذه الوضعيّة غير مقبول استمرارها من طبقة القيادات، رغم العلم ببشريّتهم وتأثرهم بمن حولهم، لكن المقصود هنا أنها تستمر لافتقاد آليات حل حقيقيّ يحفظ حق كل طرف وأهليّته ومكانته ويؤلف بين القناعات المختلفة.
-تراكم الأخطاء ومظاهر الأزمة الدعويّة السابق ذكر بعضها، دون توجه حقيقيّ وفعّال للإصلاح والتعديل، وامتلاك الطرف الأكثر تحفّظاً في آليات وأساليب الدعوة للتأثير والنفوذ داخل الوسط الدعويّ؛ كل ذلك زاد من تغير القناعات وتباين الاجتهادات مع توالي الأحداث والمتغيرات التي تحتاج لحيويّة وتفاعل سريع، ومبادرات تقتنص الفرص التي لا تتكرر بسهولة، ولا تحتمل التأخير.
-تغير قراءات موازين الكسب والخسارة تبعاً لتغير القناعات، وتعدّد المؤثرات على القادة محلياً وخارجياً؛ إذ مع افتقار الطبقة القياديّة لآليات التداول الشوريّ الحقيقيّ الذي يسمح بنقاش القضايا المهمة بكل وضوح وتجرّد، أدّى إلى تضخم هذا التغير في تقدير موازين الكسب والخسارة وتبدل القناعات، وأسهم في ظهور بعض الخطوات الجديدة على الساحة والتي أوضحت بجلاء قدرة أصحابها على التأثير، ووجود من يقتنع بطرحهم ويرغب في توسيع دائرة قناعتهم وسحب الآخرين إليها. حتى وصل الأمر إلى تجاذب مكشوف.
8-العجز عن استيعاب المستجدات:
وهذا الملحظ -هو قطعاً- نتيجة طبيعية للمظاهر السابقة. إذ رغم أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد فاجأت الدول قبل الحركات، إلا أن قدرتنا على استيعاب هذه المفاجأة واحتواء تأثيراتها على الساحة وعلى الصورة العامة عن الدعوة التربويّة لدى الجماهير، كان دون المتوقع. والمشكلة الأبرز في هذا الحدث الذي يتبناه أصحاب المشروع"الجهادي" (...) هو أنه وضع المشروع الدعويّ التربويّ والطويل المدى على المحك، وعرضّه لتحدٍ حقيقيّ. وأعطى انطباعاً عاماً بأن فشل المشروع الدعويّ التربويّ هو الذي أفسح المجال للاجتهادات الجهاديّة غير المحسوبة النتائج. كما أنه أحرج الجميع بتناول قضايا حساسة لم يكن في الحسبان أبداً الحديث عنها. فحصل الاضطراب ولم ننجح في احتوائه وتوجيهه والإفادة منه بالصورة الأمثل، مع توفر فرصة كبيرة لذلك.
9-ارتباك الصفوف: