فهرس الكتاب

الصفحة 8558 من 27364

ومن ناحية أخرى، وإذا كانت النظم والحكومات العربية والإسلامية قد حرصت على الإشارة إلى أن الإرهاب الإسرائيلي ليس أقل خطورة من مظاهر الإرهاب الأخرى، فإن انضمام البعض منها إلى التحالف الدولي لأداء أدوار متنوعة لم يقترن بموقف جماعي واضح يعلن التمسك بمفهوم متفق عليه للإرهاب، ويميز بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة ضد الاحتلال، وأعمال الكفاح من أجل التحرير في أرجاء العالم الإسلامي كافة. ولذا لا بد أن نتساءل: هل تعي هذه النظم العربية والإسلامية حقيقة الحرب الحضارية الشاملة التي تغلف ما يسمى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب؟ ألن تعني مشاركتها في مثل ذلك التحالف تقسيما جديدا، ونمطا جديدا من التجزئة في العالم الإسلامي؟ ألن يعني إعادة تشكيل التحالفات الدولية الإقليمية والعالمية على أسس جديدة؟

ثانيا: دلالات الجهود الأمريكية لتشكيل التحالف الدولي

يمثل التحليل التراكمي للاتصالات الرسمية الأمريكية: المعلنة وغير المعلنة؛ على مستويات مختلفة؛ سواء مع حلفائها الأوروبيين، أو مع روسيا والصين، أو مع الدول العربية والإسلامية، منذ بداية الأزمة، منطلقا هاما لدراسة إشكاليات وآفاق هيكل النظام الدولي ووضع الولايات المتحدة فيه بالمقارنة بالقوى الدولية الأخرى في مرحلة ما بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن. ويمكن تسجيل الملاحظات التالية:

موارد الحرب

أ- يقود بوش حملة كثيفة داخلية لتعبئة كل الموارد الممكنة المالية، والمعنوية، والسياسية وراء هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، من أجل حرب وصفها بوش أكثر من مرة بأنها حرب جديدة؛ غير تقليدية؛ لن تكون القوة العسكرية إلا إحدى أدواتها، حيث ستتضافر كل أدوات السياسة الأمريكية في تنفيذها عبر فترة ممتدة.

وبالرغم من بعض الاحتجاجات الأمريكية الداخلية الداعية للنهج السلمي في مواجهة التهديدات، فإن الأصوات الداعية للنهج"الأكثر واقعية"بلغة السياسة الأمريكية هي الأعلى والأكثر انتشارا، في ظل الحديث عن"الصحوة الوطنية الأمريكية". وبالرغم من بعض الانتقادات التي تعالت حول قصور الخدمات الاستخبارية والأنظمة الأمنية الدفاعية، يبدو أن الأمة الأمريكية بكافة روافدها قد قررت- على الأقل حتى الآن- أن تتوحد وراء الإدارة الجمهورية لخوض هذه الحرب الشاملة، باعتبارها الرد الأمثل على ما أصاب الهيمنة الأمريكية من انتهاك.

ولعل الصورة التي عكسها خطاب بوش بالكونجرس في 19-9-2001 تترجم حقيقة هذا الوضع. فإن كلمات بوش القاطعة والحاسمة، التي تجسد كل معاني غطرسة القوة الأمريكية، قد أظهرته بمظهر جديد لم يظهر عليه منذ تولّيه الرئاسة. ومع ذلك يظل الأمن الداخلي الأمريكي هاجسًا يعكر صفو الاستعداد"للتدخل الخارجي". ومن هنا مغزى تكوين ما سُمي"إدارة الأمن الجديدة"في الولايات المتحدة التي سيرأسها حاكم بنسلفانيا. كذلك يظل وضع الاقتصاد الأمريكي المتأرجح يمثل هاجسًا آخر، ليس لأمريكا بمفردها، ولكن للعالم كله.

ولذا يثور التساؤل: كيف ستقوم الولايات المتحدة بتمويل عمليات هذه الحرب الممتدة- وفق وصف بوش- لعدة سنوات قادمة؟ وهل يتم ذلك بكل الوسائل وعبر أرجاء العالم أم ستشارك أطراف أخرى- وخاصة الخليجية- في تحمل بعض الأعباء المالية؟ أم أن هذه الأعباء المالية سيتم توفير الموارد اللازمة لها من خلال التخلي- ولو مؤقتًا- عن تنفيذ أحد أهم خطط الدفاع الإستراتيجي الأمريكي وهي خطة أو برنامج الدرع الصاروخي؛ حيث أعلن مجلس الشيوخ في 20-9-2001 تحويل ميزانية هذه الدرع لميزانية مكافحة الإرهاب. ومن المعروف أن الكونجرس قد خصص 40 مليار دولار لهذه المكافحة.

مساندة مع التحفظ

ب- بالرغم من إدانة كل الدول للهجمات ضد المدنيين الأبرياء، وإدانة الإرهاب الدولي، وتأكيد الحاجة للتعاون الدولي للقضاء عليه، وبالرغم من إعلان دول عديدة مساندتها الكاملة للولايات المتحدة فيما ستقدم عليه ردًا على هذه الهجمات، يمكن أن نلاحظ أمرين، سواء على الصعيد الأوربي أو الآسيوي أو العربي والإسلامي، ولو بدرجات مختلفة:

-الأمر الأول هو نوع من التردد والحذر من مساندة استخدام القوة العسكرية ضد أفغانستان، وذلك استناداً إلى عدة اعتبارات من أهمها ضرورة التأكد من مسئولية أسامة بن لادن، أو الأضرار الشديدة التي ستحيق بالمدنيين الأفغان الذين يرزحون تحت خط الفقر، أو مخاطر الانزلاق الأمريكي في مستنقع أفغانستان، أو مخاطر اتساع نطاق استخدام القوة العسكرية على نحو يهدد بحرب إقليمية.

-والأمر الثاني هو نوع من الاتهام - الضمني أحيانًا والصريح أحيانًا أخرى - بأن السياسات الأمريكية العالمية مسئولة عن إثارة العداء ضد الولايات المتحدة، وأن على الولايات المتحدة أن تتأنى في حساباتها وتحركاتها؛ حفاظًا على السلام العالمي.

الدور الإسرائيلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت