ج- بالرغم من أن إسرائيل قد أعلنت منذ الساعات الأولى بعد الهجمات، عن الضرورة الملحة لتكوين تحالف دولي ضد الإرهاب، للدفاع عن الحضارة الغربية والعالم الحر، وحيث تصاعدت الأسئلة لاحقا عن كيفية اشتراك دول عربية وإسلامية في تحالف تشارك فيه إسرائيل، فإننا نجد تصريحًا أمريكيًا - على لسان وزير الخارجية - بأن إسرائيل لن تشارك في هذا التحالف. وبالطبع فإن المقصود هو التحالف العسكري لتوجيه ضربة لأفغانستان، وليس التحالف على أصعدة أخرى قائمة بالفعل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى رأسها التحالف ضد الحركات الإسلامية التي يسميها الطرفان"الحركات الأصولية الإسلامية"أو"الإرهاب الإسلامي". كما أن إسرائيل تشارك أطرافًا أخرى - مثل تركيا، والهند، وروسيا، والصرب- في تحالفات ضد قوى إسلامية أخرى.
ويذكرنا هذا السيناريو بسيناريو التحالف الدولي ضد العراق في 1991. والجدير بالتسجيل هنا أن إسرائيل تجني حتى الآن ثمار تحالف لم تشترك فيه منذ عشر سنوات، وهاهي تجني منذ الآن ثمار تحالف جديد يتم تشكيله؛ ولذا فلا بد أن يكون مثارًا بقوة الآن على الصعيد العربي والإسلامي - ما إذا كان لهذه المشاركة العربية والإسلامية مردود إيجابي على القضايا المصيرية للأمة الإسلامية: الداخلية منها أو الدولية أو البينية.
وفي حين أعلنت إسرائيل وضعها القواعد الجوية الإسرائيلية تحت تصرف الولايات المتحدة، فإن عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية أعلن في 21-9- 2001 أن الدول العربية لا يمكن أن تشارك في تحالف تشترك فيه إسرائيل.
طوعا أو كرها
د- إن الولايات المتحدة ليست بسبيل تعبئة مساندة دولية عارمة نابعة من إرادة حركة في كل الحالات، ولكنها في الواقع تقوم بممارسة ضغوط وتهديدات مباشرة وغير مباشرة على بعض الأطراف، ملوحة أحيانًا بالجزرة، وملوحة أحيانًا أخرى بالعصا؛ ولذا فإن آليات تشكيل هذا التحالف وطبيعته ونتائجه، خلال المرحلة المقبلة، لا بد وأن تثير أكثر من تساؤل حول هيكل النظام الدولي الجديد وحقيقة القوة الأمريكية: هل هي قوة صلدة تستطيع إجبار الجميع على قبول ما تريده؟ أم هي قوة مرنة تستطيع الإقناع بقبول ما تريده؟ بعبارة أخرى: هل ستؤكد أمريكا انفرادها بوضع القوة العظمى الوحيدة؟ أم ستتواتر المؤشرات على تآكل هذا الوضع نتيجة تراكم التحديات له؟
وهنا يمكن توجيه النظر إلى الحالات التالية: حالة باكستان وما يثير وضعها الخاص من إشكاليات أمام قبول رئيسها التحالف المباشر العسكري لتوجيه الضربة ضد أفغانستان، حالة دول مثل مصر والسعودية وإندونيسيا وتعبئة تحالفها غير المباشر الذي يتمثل في التعاون المالي أو الاستخباراتي أساسًا (فضلا عن توظيف القواعد الأمريكية في الخليج) ، حالة الصين وروسيا وإيران، وتعبئة عدم المعارضة المفتوحة للعمليات العسكرية أساسًا، حالة الاتحاد الأوروبي وتعبئة تحالفه المشروط. فإذا كانت أوروبا قد سارعت بالإعراب- منذ اليوم الثاني للهجمات- عن تضامنها العسكري الكامل مع الولايات المتحدة، من خلال وضع المادة الخاصة بالدفاع الجماعي لحلف الناتو موضع التنفيذ، فسرعان ما بدأت بعض الشروط تظهر على صعيد اجتماعات الأجهزة الأوروبية الرسمية الجماعية، ومن خلال تصريحات بعض قادتها- خاصة شيراك وباستثناء توني بلير- وتتمثل أهم هذه الشروط في ضرورة أن تكون الأعمال العسكرية الأمريكية محددة، وأن تحوز غطاء شرعيًا من مجلس الأمن.
ولقد أقر اجتماع القمة الأوروبي الاستثنائي في بروكسل في 20-9-2001 هذين الشرطين، كما أقر إجراءات أمنية جماعية جديدة لمكافحة الوجود الإرهابي داخل الدول الأوروبية.
الدلالات بالنسبة للأمة الإسلامية
خلاصة القول بهذا الصدد ودلالته بالنسبة للأمة الإسلامية:
1-أن المرحلة الحالية- في نظر إدارة بوش- تمثل لحظة اختيار صعب وحاسم بالنسبة للجميع، اختيار"أن تكون مع أمريكا أو ضدها"، هكذا قالها بوش، في خطابه أمام الكونجرس. وهي، أكثر من ذلك، لحظة تدشين لمرحلة تقسيم جديدة للعالم. وإذا كانت الدول الكبرى تقدر على المناورة حول شروط هذه الاختيارات، فإن هناك بعض الدول التي تعلن أوضاعها أنه لا سبيل أمامها للاختيار؛ لأن التحالف مفروض عليها أرادت أم لم ترد؛ ولذلك لا عجب أن تجتهد مثل هذه الدول- وهي إسلامية- لإيجاد المبررات لإضفاء شرعية على"اختياراتها"، وعلى رأس هذه المبررات ضرورة الالتزام بمتطلبات"التعاون الدولي"ضد"الإرهاب"وفقًا لمقررات"الشرعية الدولية"، متناسية أنه تعاون في مواجهة دول وشعوب إسلامية ستتعرض لضربات عسكرية بقيادة أمريكية وليس ما يسمى الشرعية الدولية.