2-أن كل دولة إسلامية تتبنى موقفها من التحالف بشكل فردي، ولا نجد أية مؤشرات عن مواقف جماعية إسلامية تجاه هذه التطورات الخطيرة التي تمس الأمة الإسلامية بصورة واضحة. فإذا كان الناتو قد اجتمع، وكذلك الاتحاد الأوروبي، بل منظمة الدول الأمريكية، في اجتماعات استثنائية، فلم ترد بادرة عن إمكانية انعقاد قمة طارئة للجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، هذا بالرغم من أن العرب والمسلمين هم المستهدفون الأساسيون سواء بالإجراءات العسكرية أو الأمنية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية.
3-أن الأمر الآن أكثر خطورة مما كان عليه خلال حرب الخليج 1991، أو خلال حرب الناتو ضد الصرب 1999، وهما حدثان- على ما بينهما من اختلافات في السياق المكاني- أثارا الجدل حول مشروعية وشرعية مساندة التحركات الأمريكية تجاههما، فالآن نجد أن الولايات المتحدة خصمًا أساسيًا ومباشرًا، كما أن الائتلاف الجاري إعداده ليس لعقاب دولة مسلمة لاعتدائها على دولة مسلمة أخرى- كما احتجت بذلك الموقف بداية التسعينيات-ولكن الوضع الآن يتصل باستعدادات أمريكية لضرب دولة مسلمة، باعتبارها مؤيدة للإرهاب وفقًا لمفهوم الولايات المتحدة وحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل.
لذا لا عجب أن تذرو الرياح بيانات طالبان وقادة الجماعة الإسلامية في باكستان القاضية بعدم شرعية مساعدة الولايات المتحدة ضد دولة إسلامية، كما لا عجب أيضًا أن تذرو الرياح الآراء الداعية الولايات المتحدة لأن تتأنى في اتخاذ قراراتها وأن تتجه نحو خيارات أكثر سلمية ومن هذه الآراء تلك التي صرّح بها الرئيس المصري مبارك، موضحًا أن التهم لم تثبت بعد على أسامة بن لادن وطالبان، ومن ثم فإن الضربة العسكرية الأمريكية يجب أن تتأنى حتى لا تودي بحياة المدنيين الأبرياء.
ثالثا: النوايا والأهداف"الحقيقية"الأمريكية
كانت التحركات العسكرية الأمريكية المنفردة الضخمة في كافة أرجاء العالم، هي بالطبع الاستجابة الطبيعية والمتوقعة من جانب الدولة العظمى، التي تعرض أمنها لاختبار جاد مع الهجمات القاتلة على رمزي قوتها: المال والقوة العسكرية.
ولكن يظل السؤال التالي يفرض نفسه بإلحاح: هل الهدف الوحيد هو الاستعداد لاستئصال أسامة بن لادن وتنظيمه ونظام طالبان الذي يؤويه؟ أم أن هناك أهدافا أخرى حقيقية تستدعي كل هذه الاستعدادات العسكرية الجارية وحشد ذلك التحالف؟
أعتقد أنه لا يجب البحث عن إجابة هذا السؤال المزدوج في اتصاله المباشر بما يُسمى مكافحة الإرهاب، ولكن يجب النظر إليه في سياق الإستراتيجية الأمريكية العالمية بعد نهاية الحرب الباردة، وموضع مكافحة الإرهاب منها، ما يتصل بذلك من أحاديث التدخلات الدولية من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية.
إن الخبرتين السابقتين للاستخدام الأمريكي للقوة العسكرية ضد العراق، وضد صربيا خلال التسعينيات، تقدمان لنا دلالات شديدة الوضوح، وهي أن الولايات المتحدة لا تحرك القوات الضخمة تحت غطاء دولي لتحقيق أهداف محدودة (مثل تحرير الكويت أو حماية ألبان كوسوفا) فقط، ولكن تكون تلك الأخيرة مجرد منطلق لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المناطق المعنية، ولاختبار التوازنات العالمية حولها، بما يحقق حماية المصالح الإستراتيجية الأمريكية وتحقيق الأهداف المرتبطة بها وتدعيمها.
مناطق وقضايا خطيرة
ولهذا، وعلى ضوء استدعاء دلالات هاتين الخبرتين، يمكن القول بأن العمليات العسكرية المقبلة ضد أفغانستان- أيًا كانت طبيعتها- إنما يحركها ويرتبط بها قضية التوازنات الدولية في آسيا، ووضع العامل الإسلامي في هذه التوازنات؛ ولذا تفرض مجموعة من القضايا نفسها على تحليلنا الراهن، وعلى متابعتنا للتطورات القادمة، مع تنفيذ العمليات وبعدها، وهنا يمكن أن نطرح الأسئلة التالية:
-هل ستقدم جمهوريات آسيا الوسطى وخاصة أوزربكستان وتركمنستان خدماتها اللوجسيتيكية للولايات المتحدة؟ ومقابل ماذا؟ وما أثر هذا على تزايد النفوذ الأمريكي في مقابل الروسي؟ هل يمكن أن تتجدد الحرب الأهلية في طاجكستان تحت اعتبارات المساندة مع حكومة طالبان من جانب الجماعات الإسلامية الطاجكية؟
-هل يمكن أن تتزعزع أوضاع باكستان الداخلية من جرار المواجهة بين النظام الباكستاني والقوى الإسلامية المعارضة للتعاون مع الولايات المتحدة، أم أن المكاسب التي سيحققها الاقتصاد الباكستاني قد تؤثر على إضعاف هذه المعارضة في نظر"الشارع الباكستاني"؟
هل ستراقب إيران ضرب نظام طالبان غير الموالي لها؟ وما الفائدة الموجودة؟
أين صوت الهند؟
هل ستكتفي الصين بإعلان رفضها للخيار العسكري؟ وما الذي يجري في كواليس العلاقات الأمريكية- الصينية، وخاصة مع الإعلان الأمريكي الأخير عن قبولها انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية؟