فهرس الكتاب

الصفحة 1462 من 27364

-صدقت كان أبي ناصرياً مثالياً، ألا يكفيك أن اسمي خير دليل على ذلك.

-نعم.. لازلت أتذكر حالة الإحباط والتعاسة التي أحاطتنا في صيف عام 1967م، حتى أننا كنا نتحاشى أن نذهب للجامعة حيث كان الصهاينة وأصدقاؤهم الكثيرون يشعروننا بأننا نعيش هزيمة أخرى، لقد كانت أياماً قاسية! لكن خبّرني ما هي أخبار والدك؟ - إنه بخير، وهو على وشك التقاعد، للتفرغ لأعماله.

-وهل لا يزال مثالياً؟ أعني ناصرياً مخلصاً؟ - كلا ولكن سأسألك نفس السؤال؟ - لقد أصبحت أمريكياً.. (يضحك) ، أمريكياً مخلصاً، خلعت أشياء كثيرة لكي أصل إلى ما أنا فيه، تركت المثاليات، يممت شطر الجانب الأكاديمي، وها أنا ذا أحقق معظم أحلامي..

-وهل لديك أسرة؟ - نعم لديَّ ابنة تعمل متفرغة في العمل الخيري، إنها رئيسة نادي الليونز في المنطقة! - الليونز.. ؟ ! هل تعرف ما هي المنظمة، وما أهدافها؟ ! - كلا.. ، فابنتي تعرف ذلك، وهى عموماً (تربية أمريكان) .. (ويضحك ضحكة مقتضبة) ، لقد تزوجت أمها الأمريكية، واتفقنا أن أتفرغ للعمل وتتفرغ هي لإدارة الأسرة.

-وهل لازلت تحتفظ بهويتك؟ أعني لغتك، ودينك.

-لغتي جيدة، وديني لا يَسُر، منذ البداية.

-و لماذا؟ ! - كنت يسارياً في السابق، قبل أن أهاجر إلى هذه البلاد، كنت أعيش في مخيم لاجئين في دمشق، كان معسكر السلام وشعاراته الشيوعية يشكل تيار أغلب التعساء هناك.

-ثم؟ - كفرت بكل الشعارات الكاذبة، والزعامات المغشوشة، وآمنت بالحياة على الطريقة الأمريكية، الفردية، تستطيع أن تكون من تريد حينما تكون لا منتمياً، إنها عقلية الشركات الكبرى، حينما تدوس على المبادئ، سوى مبادئ الشركة وتتخلى عن أي تحالف، سوى ما يساعدك على النجاح! - وهل هذا مبدأ صالح في نظرك؟ - ما يصلح هو ما يعمل، وما يعمل - كما أرى - هو ما يصلح.

-قد يبدو هذا الكلام فلسفياً، لكن الواقع والفلسفة قد يشتبكان. لكن قل لي: هل أنت مثالي؟ - إذا كنت تقصد بالمثالية الالتزام بمنهج، فأنا كذلك.

-وما هو هذا المنهج؟. لقد أصبحت بعيداً عن الساحة العربية كما ترى.

-منهج قديم، جديد..

-ماذا تعني.. ؟ - أعني الإسلام.

-لقد كنت أظن أنك ستقول لي ذلك، منذ أن رأيت تلك اللحية الثائرة، إنها تشبه لحية كاسترو، أو الخميني.

-لعل كاسترو وغيفارا والخميني بل حتى ماركس، هم ما تقدمه الثقافة الأمريكية للتدليل على الخطر الخارجي، والربط بينهم حتى لو لم يكن هناك رابط.

-أوافقك في ذلك، لكن قل لي فلعل معلوماتي خاطئة: هل يعني ذلك أن (الأصولية) هي الموجة الآن؟ - وماذا تعني بالأصولية؟ - أعني الحَرْفية، الجامدة، والتعلق بالنص! -أعطني مثالاً.. لم أفهم! - مثلاً بِلِي غراهام، سويغارت.

-غيرهما.

-لا أتذكر.

-أنت رجل متعلم، هل تؤمن أن نطبق سياسات أمريكا وأوربا الغربية وآلياتهما على العالم الثالث؟.

-لا يمكن، أرضيتان مختلفتان، متباينتان...

-إذن هل تعرف أن هناك اختلافاً بين ما تطلقه من أمثلة وبين الواقع الذي تنعته بالأصولية.

-ربما، لكن الإسلام والمسيحية متقاربان، عذراً، هذا من بقايا الخمسينات، كلاهما أفيون الشعوب، أو في منطق أمريكا الثمانينات، الإسلام السياسي أو الإرهابي يحمل نفس بذور الأصولية التى تريد أن تحكم أمريكا.

-مرة أخرى.. أجد نفسي مضطراً لتذكيرك باختلاف البدايات وحتمية الخطأ النهائي.

-أعترف بأني قد تغيرت كثيراً.. وأعترف أن الحوار ممتع معك، تحمل نفس اللهجة القاطعة والمستيقنة التي كان أبوك يحملها، ولكن تبدو أكثر عقلانية حينما كان يبدو أكثر حماساً وعاطفية، هل نلتقي مرة أخرى؟.

أحس جمال أن الدكتور برهان مشغول وأن المقابلة قد انتهت، فوعده خيراً، وأحس بواجب نحو هذا الغريب، الذي (استنوق) حتى يصل إلى ما يريد، والذي قابل العديد من أمثاله الذين تأمركوا، وضاعوا وأضاعوا، أضاعوا جيلاً ثانياً كان يمكن أن يكون أداة خير فاعلة في هذه الأرض، وتذكَّر مجموعة من المراهقين من أبناء المسلمين الذين ولدوا لآباء كهؤلاء، بعضهم يحترف الدعارة، وبعضهم يحترف تجارة المخدرات، ومجموعة تقود نوادي الليونز، والروتاري، وأخرى - ويا لَحجم المأساة! ! - يعملون منصرين في كنائس مثل (وليم علي) ، ذلك المنصر الشاب الذي قابله منذ فترة وتلك مأساة أخرى...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت