فهرس الكتاب

الصفحة 3129 من 27364

كذلك يرى أنصار مدرسة مقاومة"التبعية"أن العولمة عملية تشير إلى سعي القوى الرأسمالية إلى الهيمنة على أسواق الجنوب وإلحاق اقتصادات الجنوب باقتصادات قوى العولمة، وأن الحل لا يكون بالاندماج مع العولمة، وإنما بمحاولة الفكاك منها واللجوء إلى الاعتماد على الذات سواء على مستوى الدولة أو مستوى التعاون بين دول الجنوب.

ويعد محاضير محمد -رئيس وزراء ماليزيا- من أبرز المعبرين عن تلك الرؤية للعولمة.

فالعولمة في تقديره واجهة لإعادة استعمار الدول النامية. ففي خطابه أمام مؤتمر قمة الدول النامية الخمس عشرة المنعقد في جامايكا فبراير 1999 أشار إلى أن الدول الرأسمالية تسعى في إطار العولمة إلى إنشاء نظام سياسي واقتصادي واحد هو الرأسمالية مهما كانت النتائج. كما أنه في ظل تيار العولمة فإن الحديث عن الاقتصاد العالمي المتكامل والقرية العالمية، وعصر المعلوماتية وسهولة الانتقال يجب ألا يخفي أن الشركاء لن يكونوا متساويين. ففي ظل إزالة الحدود وأمام حركة رؤوس الأموال لتنتقل دون قيود فإن فقراء العالم الثالث وتجارتهم ليس مسموحا لهم بعبور الحدود إلى الدول الغنية، وستظل الحدود مغلقة كما هي. وفي ظل العولمة يستمر سباق التسلح، والضغط على الدول الفقيرة لشراء المزيد من الأسلحة لكي تعوض الدول المتقدمة ما أنفقته على البحث والتطوير العسكري. وفي ظل العولمة هناك ضغوط إعلامية لرفض أي نقد للعولمة.

لهذا فقد طالب بمحاولة الفكاك من قبضة القوى الدافعة للعولمة من خلال التعاون بين الدول الآسيوية وإنشاء صندوق النقد الآسيوي، ومن خلال اتباع إستراتيجية انتقائية عبر عنها بقوله:"قد تسقط الحدود مع المضي قدماً في العولمة لكن يمكننا أن نكون انتقائيين فيما يتعلق بشروط التجارة، والتوقيتات والنطاق. وليس هناك حاجة حقيقية لأن تسقط جميع الحدود أمام كل شيء وكل الناس في وقت محدد".

وتسود هذه الرؤية في كتابات المفكرين الإسلاميين مثل محمد عمارة وجمال البنا، حيث العولمة هي الوجه الآخر للهيمنة الغربية.

الرؤية"التفاعلية"للعولمة

تتحصل هذه الرؤية في أن العولمة هي أمر واقع ينبغي"التعامل"معه، وليس قبوله بكافة عناصره. ويقصد بالتعامل في هذا السياق الدخول في حوار حقيقي مع قوى العولمة بهدف الإقلال من الخسائر وتعظيم المكاسب. تفترض تلك الرؤية أن رفض العولمة، أو الدخول في"مواجهة"مع القوى الدافعة لها إنما ينطوي على مخاطر جسيمة.

بعبارة أخرى تركز تلك الرؤية على أهمية التعامل المتوازن مع القضايا التي تطرحها العولمة من خلال إستراتيجية تقوم على التعامل التدريجي، والربط من مختلف القضايا المطروحة.

فهذه الرؤية تنزع إلى فهم العولمة على أنها ظاهرة مركبة تتضمن أبعادا إيجابية يجب الاستفادة منها وأخرى سلبية ينبغي تفاديها. ففي مقابل الفرص الإيجابية التي أتاحتها العولمة، ومنها التطور الهائل في التكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات، وزيادة تدفقات رؤوس الأموال، وانفتاح الأسواق، فإن هناك جوانب سلبية لهذه الفرص تبعث على الكثير من القلق المتمثل في استمرار مشاكل الفقر والجهل والديون وانتشار الأوبئة التي تهدد أمما بأكملها وتفشي ظاهرة تهميش المجتمعات النامية وحرمانها من جني ثمار العولمة مع ما يقترن بذلك من اتساع الفجوة التي تفصلها عن الفئات الأوفر حظاً.

وهاتان الصورتان وجهان متلازمان للعولمة ينبغي التعامل معهما. فمن الممكن خلال الحوار الإيجابي مع الدول الصناعية المتقدمة والمؤسسات المالية الدولية التغلب على الآثار السلبية وتحقيق تكامل اقتصاديات الدول النامية مع الاقتصاد العالمي.

وفيما يتعلق بالقضايا الناجمة عن العولمة والتي يتعين على الدول النامية أن تتعامل معها، فإن هذه الرؤية تركز على صياغة أجندة جديدة للنظام الدولي من خلال الحوار الإيجابي المتوازن مع الدول المتقدمة والمؤسسات المالية الدولية والأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة على أن يكون على قمة تلك الأجندة معالجة مشكلة الفقر، وحرية التجارة بشكل متكافئ بحيث تفتح الأسواق بشكل متبادل، مع وضع نظام تجاري عالمي منصف والتطبيق الكامل لاتفاقيات جولة أورجواي، وجذب رؤوس الأموال العالمية والاستثمارات إلى الدول النامية من خلال التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وتطوير آليات لتمكين الدول النامية من مواجهة الأزمات المالية الدولية.

ومن ثم فإن القضايا الجوهرية المرتبطة بالعولمة في الرؤية المصرية على سبيل المثال هي بالأساس قضايا اقتصادية. وتجد هذه الرؤية تعبيرا لها في الخطاب السياسي الرسمي المصري حول العولمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت