فهرس الكتاب

الصفحة 3130 من 27364

وتتضح هذه الرؤية كذلك، وإن كان بشكل أكثر ميلاً إلى انتقاد العولمة، في الرؤى الإيرانية التي ترى أن العولمة أنتجت آثارا سلبية على إيران ليس فقط في المجال الاقتصادي، وإنما في المجالين الأمني والثقافي كذلك. فالعولمة كما يقول المفكر الإيراني سجاد بور:"خلقت تهديدات جديدة ليس فقط بالنسبة لإيران ولكن لكل دول المنطقة ولكل دول العالم أيضا". فالعولمة الاقتصادية وسيطرة أدوات الاتصال والتقدم المذهل في وسائل نقل المعلومات، كل هذا يمكن أن يخلق شروخا عميقة في محيط الأمن الخارجي لإيران، كما أن العولمة"خلقت قواعد جديدة للأمن الخارجي وهذا يعد سببا لنشوء تهديدات جديدة كاملة لإيران". ويضيف"أن العولمة الثقافية لو اعتبرت محاولة لتوحيد الثقافات فإنها تعد بذلك تهديدا مباشرا للهوية الإسلامية الإيرانية".

ولكن سجاد بور يرى أن للعولمة نتائج إيجابية بالنسبة لإيران تتمثل في إمكانية دخول إيران كفاعل جديد في مجال تكنولوجيا المعلومات، كما أنها خلقت فرصا ملائمة للتعاون الإقليمي الاقتصادي، وأدت إلى انتشار الدبلوماسية متعددة الأطراف مما جعل لإيران وأعضاء المجتمع الدولي دورا مؤثرا في تشكيل القواعد الدولية الجديدة من خلال المؤتمرات الدولية المتعددة، مما خلق بدوره فرصاً جديدة لإيران.

ولدينا وثيقة إيرانية تعبر عن تلك الرؤية للعولمة وهى خطاب كمال خرازي وزير خارجية إيران في المؤتمر السابع والعشرين لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في كوالالمبور في يونيو سنة 2000. في هذا الخطاب أشار خرازي إلى أن العولمة أتت بتطوير في وسائل الاتصال؛ وإزالة الموانع التجارية، والتنمية الاقتصادية السريعة، وكلها تطورات إيجابية، لكنه أشار إلى أن"العولمة غير مقبولة"لأنها"تقدم مكاسبها وفوائدها بشكل غير عادل وغير منصف". إن ذلك محاولة لتبديل وجه السيطرة والاستيلاء والعنصرية ومحو الثقافات المختلفة لصالح ثقافة واحدة مسيطرة مهما كان اسمها.

وقد عبر خرازي عن تلك الرؤية في خطاب أمام مؤتمر قمة مجموعة الدول الثماني المنعقد في القاهرة في فبراير سنة 2001 فأشار إلى أن"العولمة لديها إمكانات كبيرة للإسهام الإيجابي للتنمية المستديمة والشاملة للبلدان النامية"لكن عندما تطبق على نحو أحادي فإن بوسعها أن تؤدي إلى مزيد من التهميش للبلدان النامية وتفاقم الفقر والجوع في الجنوب، وتوسيع الفجوة بين الغني والفقير، وأيضاً قد تزيد معاناة الكثير من مناطق هذا الكوكب ومواردها القليلة ونصيبها في التجارة العالمية.

من ناحية أخرى فالعولمة لا بد أن تثير قضايا اقتصادية مثل إصلاح النظام الاقتصادي الدولي بما يضمن مشاركة الدول النامية في اتخاذ القرار وتفادي الأزمات المالية والمشاركة الفعالة للدول النامية في المنتديات ومراكز تخطيط الاقتصاد العالمي بهذه المشاركة في البناء التجاري والمالي الدولي، وقضايا ثقافية مثل الحوار الحضاري العالمي لرفض الهيمنة الثقافية وبناء مجتمع مدني عالمي وهو ما عبر عنه خرازي في خطابه في كوالالمبور في يونيو سنة 2000 ثم في القاهرة في فبراير سنة 2001.

من الواضح إذن أنه لا توجد رؤية واحدة تسود دول الجنوب ولا الدول الإسلامية للعولمة، بل إن هذا التباين يمتد ليشمل مختلف الجماعات الثقافية ومؤسسات المجتمعين المدني وغير المدني.ويعكس ذلك اختلاف في ملامح التطور السياسي والاقتصادي للدول الإسلامية، ودرجات ارتباطها بالقوى الرأسمالية العالمية، والمشروعات الداخلية والإقليمية للنخبة السياسية الحاكمة، ومدى شعور تلك النخب والجماعات بالآثار المتباينة للعولمة.وهو ما يجعل من مهمة صياغة إستراتيجية إسلامية للتعامل مع العولمة مهمة معقدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت