ويؤكد التقرير أن إسبانيا أصبحت من أهم مراكز غسل الأموال اعتماداً على النشاط السياحي كواجهة، وتحويلات البنوك الإسبانية إلى أمريكا اللاتينية، وتقول تقديرات"بنك إسبانيا"والبرنامج الوطني لمحاربة المخدرات إن الأموال التي يتم غسلها بإسبانيا تتراوح بين 6 مليارات و12 مليار دولار. كما يشير التقرير إلى أن منظمة"إيتا"الانفصالية في إقليم الباسك تعتمد بدورها على تجارة المخدرات لتمويل نشاطاتها، وقدر هذه المبالغ بحوالي 2,5 إلى 3 مليار بسيطة يتم تخصيص أغلبها لتمويل"أنشطتها القانونية"ومساعدة أعضائها على الهروب إلى فرنسا ودول أخرى بأمريكا اللاتينية.
وقد أصبحت ظاهرة غسل الأموال الناتجة عن المخدرات على رأس أجندة المؤسسات والأنظمة في السنوات الأخيرة، وشرعت أوروبا والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة في البحث عن السبل الكفيلة لمحاربة هذه الظاهرة، كما انعقد في تونس في شهر يوليو من العام الماضي مؤتمر جمع مسؤولي محاربة المخدرات في العالم العربي للاتفاق على مشروع قانون موحد لمحاربة غسل الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات في العالم العربي، وفي شهر مايو 2000م انعقد في أبو ظبي اجتماع حول الوقاية من الأموال القذرة.
عجز السياسات المضادة
إزاء هذه المعطيات الخطيرة الماضية في التفاعل، تكشف المقاييس التي وضعتها المنظمات الدولية بهدف تفعيل شفافية القنوات المستعملة عن قصورها وعدم فاعليتها جراء الانعدام التام للإرادة السياسية عند التطبيق، ويقدم المرصد الجيو سياسي للمخدرات نموذج الحكومة الروسية في قضية الأموال التي حصلت عليها من صندوق النقد الدولي وتم تحويلها إلى بنوك أمريكية، والتي اتهمت بأنها قامت بتغطية الترويج المحظور، وغسل الأموال.
وينتقد المرصد السياسات الأوروبية المتعلقة بمحاربة تجارة المخدرات، فهذه السياسات تخضع لمقاييس غير مستقرة وتتغير كلما تعلق الأمر بزبائن أو حلفاء جيو سياسيين، فقد أغمض الاتحاد الأوروبي عيونه على الممارسات الإجرامية المرتبطة بالمخدرات في تركيا التي أصبحت أول منتج للهرويين في أوروبا، أما الولايات المتحدة فقد تسترت على علاقات الحاكمين في أمريكا اللاتينية مع مافيا المخدرات لإراحة حلفائها السياسيين والاقتصاديين. ويؤكد المرصد باستمرار، سواء في تقاريره السابقة أو في تقريره الحالي، أن التقارير التي تصدرها الإدارة الأمريكية تعكس مصالح واشنطن بالأساس، وتتماشى مع"شواهد حسن السلوك"التي تمنحها الإدارة الأمريكية أو تمنعها عن مختلف الدول في ضوء تقارير خاصة، ويرتبط هذا بالمساعدات الاقتصادية الأمريكية.
إن تجارة المخدرات تظل مع كل ما تشكله من خطر على الاقتصاد العالمي، إحدى وسائل الابتزاز في يد أوروبا والولايات المتحدة، وهذا ما يكشف فشل السياسات المتبعة منذ الستينيات للقضاء على هذه المواد السامة، بل إن هذه السياسات ذاتها ما هي إلا وسيلة لإبقاء الظاهرة، لأنها تسعى إلى القضاء على زراعات تدر أرباحاً هائلة على دول فقيرة دون تقديم بدائل اقتصادية وزراعية حقيقية، بسبب التجاهل الغربي المقصود لمقومات هذه الدول، فعبارة"الزراعة البديلة"التي تتبناها المنظمات الدولية لمحاربة زراعة المخدرات كشفت باستمرار عن صعوبة في التطبيق العملي لها، بسبب افتقاد الدول المنتجة للبنيات التحتية الكفيلة بإنجاح زراعات تعوض زراعة المواد المخدرة، كما أن مشكلة الديون التي تثقل الدول النامية وبخاصة في القارة الإفريقية، والمستحقة للمؤسسات المالية الغربية الربوية، تجعل من زراعة هذه المواد المخرج الوحيد لأداء ما بذمتها وسداد الديون ذات الفوائد العالية.
من هنا فإن الدول الغربية مطالبة، إن هي أرادت الحصول على نتائج إيجابية في صراعها ضد المخدرات، بإسقاط ديونها المستحقة على الدول الفقيرة التي تعتبر سلة للسموم القاتلة بفعل التقسيم الدولي الاستعماري للعمل، والقبول بدفع أسعار تشجيعية للإنتاج الزراعي المحلي، ورفع القيود الاقتصادية والتجارية والفلاحية المفروضة على تلك الدول من قبل المؤسسات التمويلية الغربية وتوصياتها الاقتصادية الخادعة. وإذا أخذنا مثالاً واحداً فقط، فإن بوليفيا تعتمد على ورقة الكوكا المخدرة لتحسين ميزان مدفوعاتها وتجنب الكوارث الاقتصادية، فزراعة الكوكا تتيح لها دخلاً سنوياً يقدر بمليار دولار.
ومهما يكن شأن السياسات المضادة للمخدرات، فستظل مسؤولية أوروبا قائمة باعتبارها السوق الرئيس، وقد عبر الرئيس الكولومبي الأسبق عن هذه الحقيقة حين قال:"مادام هناك حكومات لا تعمد جدياً إلى مواجهة موجة الاستهلاك في دولها، فنحن أيضاً لا نستطيع بمفردنا حل هذه المشكلة".