فهرس الكتاب

الصفحة 18397 من 27364

وثمة حرج آخر واجهه بولس وغيره، وهو كيف انتهت حياة المسيح على الصليب، والتوراة تنص على لعن كل مصلوب (انظر التثنية 21/23) .

كيف يصبح السيد المسيح ملعوناً، فرأى بولس أن يجعل من الملعون مثلاً أعلى في التضحية، وأن يجعل منه إلهاً نزل وتجسد ليفدي البشرية من خطاياها فصار لعنة ليفتديهم من لعنة الناموس، وكما قال بولس:"ولكن الله من محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب، إنه وإن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه.." (رومية 5/8-10) .

وأخيراً فإن هذا الذي تقوله النصارى في الرب جل وعلا من تعدد وتجسد نوع من العبث الإنساني وجرأة صارخة على مقام الرب جل وعلا وتطاول مستغرب، فإن المثّال كما يقول الأستاذ المهتدي محمد مجدي مرجان"حين يصنع تمثالاً فإنه يستطيع أن يهدمه، ولا يتصور أحد أن يدعي التمثال أنه من جبلة صانعه، أو أنه جزء أو عنصر من هذا الصانع."

ولكن الإنسان الضعيف أحد مخلوقات الله تطاول على صانعه، ثم أخذه الغي ولعبت برأسه نشوة الضلال، فقلب الوضع وعكس الآية، فقام بإعادة تكوين وتشكيل صانعه، ثم راح يعيد تقسيم خالقه إلى أقسام ثلاثة ابتدعها خياله جاعلاً كل قسم منها إلهاً قائماً بذاته، محولاً الإله الواحد إلى ثلاثة…ثم قام بتقسيم الأعمال والأعباء والوظائف بين آلهته الثلاثة التي صنعها عطفاً وإشفاقاً من أن يتحمل كل تلك الأعمال والأعباء والوظائف إله واحد. حقاً ما أشقى الإنسان"."

والحق أن فكرة التجسد النصرانية أحد أسباب انتشار الإلحاد بين البشر، فإن الإنسان يميل بفطرته وعقله إلى تعظيم الخالق وتنزيهه عن الشبيه والمثيل، فيما تجعله النصرانية إنساناً خرج من فرج امرأة من بني إسرائيل…

يقول كيرانس ايرسولد:"أما من وجهة نظر العلم فإنني لا أستطيع أن أتصور الله تصوراً مادياً بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار أو أن يحل في مكان..".

وعندئذ يخير الناس بين المعتقد الخاطئ والفطرة الصحيحة المؤيدة بسلطان العقل، فلا يجد كثير منهم مفراً من الكفر بإله الكنيسة المصفوع والمصلوب، فيكثر الإلحاد. تعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً.

ومن الآثار السيئة التي تتركها عقيدة التجسد إضعاف المثل والقيم التي جاء بها المسيح ودعا إليها، ثم كان بسبقهم إليها قدوة صالحة لأتباعه، لكن أثر هذا الخلق يضيع مع القول بالألوهية، إذ لن يتصور البشر إمكانية تطبيق هذه المثل التي سبقهم إليها إله.

وصدقت دائرة المعارف الأمريكية في قولها:"لو كان إلهاً فإن المثل التي ضربها لنا بعيشته الفاضلة يفقد كل ذرة من القيمة حيث إنه يمتلك قوى لا نملكها. إن الإنسان لا يستطيع تقليد الإله".

ويقول توماس أكمبسفي كتابه"على خطى المسيح":"إذا كان المسيح إلهاً فإن المرء لا يستطيع اقتفاء أثره والسير على منهجه".

كتبه

د. منقذ بن محمود السقار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت