فهرس الكتاب

الصفحة 15211 من 27364

ويرجع فضل صياغة أول تعريف للحاكمية للمفكر السياسى الفرنسي جين بودين، في كتاب له عنوانه (الجمهورية) ظهر في عام 1567 م/974 ھ. فقد اراد بودين تأييد سلطة الملكية الفرنسية للخروج من أزمة الصراعات الداخلية المشتعلة تلك الفترة، فأضفى عليها حقوقا كثيرة منها الحق المطلق للتشريع. ولكن البعض يرى أن بودين قد وقع في تناقض بسبب الفكر السائد في عصره، إذ وصف حق الملكية في التشريع بالإطلاق، وفي نفس الوقت جعله مقيدا ولو نسبيا بالقانون الإلهي [3] . ولقد استطاع الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، أن يتخلص من هذا الولاء المزدوج لمبدأ التشريع الوضعي البشري ومبدأ التشريع الإلهي، حين جعل الدولة مؤسسة تعلو فوق المجمتع كله، بجميع أفراده ومؤسساته بما فيها الكنيسة، وخوّل للدولة كل أنواع القوة والسلطة ومنها حق مطلق لتشريع القانون، وحررها من كل قيد عليها حتى الأخلاق، لأنها هى التى تضع معايير الأخلاق ومقاييس الحسن والقبح. فصارت الدولة في رؤيته وحشا ضخما يتوحد فيه المجتمع بأكمله ويذوب في شخصه حسب نظرية العقد الاجتماعي [4] . ومن أجل هذا صوّر هوبز الدولة بوحش أسطورى مذكور في الإنجيل باسم ليفتيان، وجعل ذلك عنوانا لكتابه الشهير الذي ظهر في عام 1651 م/ 1061 ھ.

وكان التطور التالي في تاريخ الحاكمية في القرن الثامن عشر الميلادي / الحادي عشر الهجري على يد مفكر الثورة الفرنسية جان جاك روسو، الذي أعاد صياغة النظرية وأعطاها تعبيرا جديدا. فبعد أن كانت المشكلة في أقطار أوربا القومية الناشئة، هى تقوية الملكيات المحلية في مواجهة قوى البابوية والامبراطورية، أصبجت المشكلة الجديدة هي استبداد الملكية التى تجمعت في يدها سلطة مطلقة غير مقيدة. ومن أجل الحد من سلطتها اتجهت النظريات السياسية إلى إحياء فكرة االديمقراطية، وإرجاع الحقوق إلى الرعية والشعب. وفي هذه الظروق صاغ روسو نطريته للحاكمية في كتابه المشهور العقد الإجتماعي، الذي نشره في عام 1756 م، جاعلا الشعب المالك الأصلي للسلطة في الدولة والمصدر الحقيقي للقانون والتشريع، متمثلا في إرادته العامة التى وصفها بالعصمة من الخطأ، ونسب لها إصابة الحق والعدل دائما، مدعيا أن"صوت الشعب هو في الحقيقة صوت الإله". [5] ومصطلح إرادة الأمة العامة تعبير عام وغير دقيق، ولا يمكن تحديده بدقة، وإن كان قد ترجم عمليا ليعني الانتخابات والاستفتاء وغيره من طرق للتعبير عن اختيار الأمة.

ثم جاء المفكر القانوني الإنجليزي جون أوستن، فنقل نظرية الحاكمية إلى طور جديد. وقد كان اهتمام أوستن في مجال التشريع، ولهذا اعتبر الحاكمية بأنها هي مصدر القانون الذي عرفه بأنه أمر محدد من سلطة عليا واجب الطاعة، وتوقع عقوبة على من لا يطيعه. وفي رأي أوستن أن الحاكمية لا بد أن تكون بيد جهة محددة، سواء كان ذلك فردا أو جماعة. [6] وقد ترجمت نظرية أوستن عمليا في بريطانيا، بأن البرلمان هو الذي يملك الحاكمية لأنه هو مصدر التشريع والقانون.

خصائص الحاكمية

رغم تنوع نظريات الحاكمية في الغرب، واختلافها حول الجهة التي تملكها، إلا أنها كلها تجمعها خصائص وسمات واحدة، يتبين من النظر فيها حقيقتها وطبيعتها. فأول خاصية أن الحاكمية من سمات الدولة الغربية المعاصرة، التى حولتها ظروف نشأتها - كما ذكر سابقا - إلى مؤسسة قومية علمانية، يحكمها قانون وضعي بشري. ولعل أهم خاصية للحاكمية أنها أعلى سلطة في الدولة التي تملك"الحق المطلق للأمر"، كما وصفها به بودين؛ أو بعبارة أخرى أنها مركز إصدار القرار في الدولة. ولا شك أن هذا يشمل كل قرار في المسائل الخاصة والعامة، ومن أهم هذه الأوامر التي تتمتع بها سلطة الحاكمية إصدار القانون والتشريع، بل إن ذلك - كما يقول بودين - هو أهم ما يميز الحاكمية، وكل خصائصها الأخرى ما هي إلا تبع لهذه الخاصية الأساسية. [7] ومن توابع إصدار الأوامر إيجاب طاعتها من قبل الرعية على كافة المستويات دون استثناء، وتتاسس هذه الطاعة المطلقة على دوافع كثيرة، لعل من أهمها أن الدولة تملك القوة والشوكة التي تردع بها من يخرج عن حدود الطاعة، متثملة في الجيش والشرطة. وإذا كانت هذه طبيعة الحاكمية، فقد وسمت بسمات عديدة، منها أنها أعلى سلطة ولا يعلوها شئ، وأنها السلطة النهائية التي لا ينقض أمرها شئ، وأنها مطلقة لا يحدها شئ، وأنها مستقله عن غيرها لا يؤثر في قرارها شئ. ومن صفات الحاكمية أيضا أنها معصومة عن الخطأ والظلم، فهي تصيب دائما الحق والعدل، ومن صفاتها أيضا أنها خالدة أبدا لا يحدها زمان، ومنها أيضا أنها متوحدة لا تتعدد ولا تتوزع. [8]

لمن الحاكمية؟

هذه صورة الحاكمية كما تصورها مفكرو الغرب في بادئ أمرهم، وهذه صورة مثالية من الصعوبة تحققها في الواقع، وقد اهتزت هذه الصورة ووجه إليها نقد مر سيأتي عرض له لا حقا. وحتى تكتمل الصورة بقيت الإجابة على سؤال هام شغل المفكرين الغربيين كثيرا، وذلك هو لمن الحاكمية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت