فهرس الكتاب

الصفحة 15212 من 27364

وقد تعددت الإجابات واختلفت الآراء في صاحب الحق في الحاكمية. الرأي الاول: ذهب بودين وهوبز ومفكرو الحاكمية الأوائل، أنها في من حق الملك. [9] وفي حقيقة الأمر ما ظهرت نظريات هؤلاء إلا لتثبيث الملكية، وحقها في امتلاك السلطة المركزية كلها، من أجل استقرار الحكم في وجه الحروب الداخلية والمخاطر الخارجية. الرأي الثاني: أن الدولة وليس الملك هي صاحبة الحق في الحاكمية، وقد شاع هذا الرأي عند الطبقة الثانية من مفكري الحاكمية، عندما انحسر الحماس والولاء للعوائل المالكة، حتى استقر في عرف الناس الآن أن الحاكمية من أخص خصائص الدولة. [10] الرأي الثالث: ان الشعب هو صاحب السلطة العليا. ومما لا شك فيه أن فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات تمتد جذورها في التاريخ القديم، وقد ادعاه القدماء وبلوره اليونانيون في نظمهم الديمقراطية. ولكن مع شيوع المبدأ فإن له تفسيرات كثيره، حتى إن الملكيات كلها تدعي أنها تحكم باسم الشعب وتأخذ تفويضها منه. وقد وجد مذهب حاكمية الشعب تعبيرا معاصرا في أفكار روسو، حتى أنه بات لا يعرف إلا معزوا إليه. ولكن روسو كان يرى حاكمية الشعب بصورة مثاليه مباشرة، ولم ير تفويض سلطتهم لا لمجلس ولا لفرد، وكان يسخر من النظام البرلماني الإنجليزي ويصفه بعين العبودية ومجافاة الحرية. [11] الرأي الرابع: أن المجلس المنتخب من الشعب - أو البرلمان- هو صاحب الحاكمية، وقد نصر هذا الرأي أوستن وتمثل عمليا في النظام السياسي الإنجليزي. [12] الرأي الخامس: أن الحاكمية لله، وهذا ما تبناه اللأهوت المسيحيي عموما، وإن كان قد وجد تفسيرات مختلفة، من أهمها أن البابا هو صاحب السلطة، وقد ساد هذا الرأي في القرون الوسطى وعليه قامت الحكومات الثيوقراطية. [13]

نقد وتقويم

لم يلق مبدأ الحاكمية في تصورة التقليدي المثالي السابق قبولا، بل واجه نقدا مرا خاصة في المائة السنة الماضية، حتى ذهب البعض إلى رفض الفكرة من أساسها. [14] ويقوم هذا النقد على أساسين: أولها أن التطورات السياسية في كثير من البلدان قد غيرت طبيعة الدولة، حتى صار من الصعب الإدعاء بأن فيها سلطة مركزية مطلقة كما تزعم نظرية الحاكمية. ومن هذه التطورات المشكلة لفكرة الحاكمية قيام دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي اعتمدت مبدأ اللامركزية ووزعت سلطة الدولة المركزية إلى عدد كبير من الحكومات الإقليمية، يتمتع كل منها بحاكمية شبه مستقلة. [15] ومن أجل التوفيق بين هذا الوضع الجديد ومبدأ الحاكمية التقليدية قدمت تفسيرات عديدة، منها فكرة توزع الحاكمية التي تبناها الدستور الأمريكي، ومنها الإدعاء بأن الحاكمية يمكن أن تحد من سلطتها المطلقة بنفسها، ومنها التفرقة بين الدولة التي تتمتع بالحاكمية المطلقة، وبين الحكومة التي هي مؤسسة تحت الدولة ويمكن أن تتوزع سلطاتها. [16] ومهما تكن التفسيرات فإن من الواضح أن نظرية الحاكمية بصورتها التقليدية غير واقعية. [17]

ومن المتغيرات التي أثرت على فهم طبيعة الحاكمية شيوع فكرة التعددية داخل الدولة، التي تتيح لمؤسسات كثيرة داخل الدولة، من دينية وعرقية وثقافية مزيدا من الاستقلال والمشاركة في صنع القرار. وقد هاجم المدافعون عن التعددية فكرة الحاكمية، لأنها لا تطابق واقع الحياة السياسية والقانونية المعاصرة التي لا يصدر القرار فيها من مركز ذي سلطة مطلقة، بل يأتي نتيجة ضغوط وتنازلات من جهات متعددة. فالمركز في نظرهم ليس إلا راصد يستجيب لرغبات مؤسسات المجتمع المختلفة. [18] ومما غيّر النظرة لطبيعة الحاكمية تطور القانون الدولي، الذي كان من الصعب معه قبول فكرة حاكمية الدولة القومية وسيادتها المطلقة في إصدار القانون، فإما أن يقر بعلو القانون الدولي على القانون المحلي القومي لكل دولة حفاظا على حاكميتها وسيادتها، وإما أن يقر بعلو القانون القومي للدولة مما يعني أن القانون الدولي لا وجود له. [19] ومن الاعتراضات على مبدأ الحاكمية من ناحية أخلاقية، أنها تسوغ الاستبداد بإصرارها على جمع السلطة كلها بصورة مطلقة ومستقلة بيد المركز. ويعبر عن ذلك أحد المفكرين فيقول:"إن الحاكمية والاستبداد قد صبا معا في نفس القالب، ولا بد من الخلاص منهما جميعا". [20]

وفي وجه كل هذه الاعتراضات لم تستطع الحاكمية أن تصمد في صورتها التقليدية، وحاول بعضهم إعادة صياغتها من أجل أن تتواءم مع المتغيرات المعاصرة الكثيرة. وأهم هذه الاتجاهات الحديثة في نظرية الحاكمية، تصتيفها وتوزيعها إلى أنواع متعددة، مثل الحاكمية السياسية، والتشريعية، وغيرها من التقسيمات. [21] ومع كل هذا الزخم والجدل الدائر والنقد، استمر المناصرون للحاكمية في الدفاع عنها برد الاعتراضات المثارة ضدها والتمسك بها، [22] حتى أضحت الحاكمية عقيدة لا يمكن التخلي عنها، رغم وهنها وضعفها.

الحاكمية عند علماء المسلمين المتقدمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت