إذا كانت أوربا قد عرفت مصطلح الحاكمية بالمعاني التي سبقت مناقشتها، فإن البحث الآن يتجه إلى معرفة رأي الإسلام في ذلك المصطلح وما يحمله من مفاهيم. ولعله من المفيد تقسيم البحث في ذلك إلى قسمين: الأول ينظر في آراء علماء المسلمين قبل اتصال العالم الإسلامي بأوربا وتأثره بها، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه لغرض هذا البحث بلفظ المتقدمين. أما القسم الثاني فينظر في آراء علماء المسلمين المعاصرين وخاصة أولئك الذين عاشوا خلال الثلاثمائة سنة الأخيرة.
لعله من الواضح أن علماء المسلمين المتقدمين لم يعرفوا الحاكمية بهذا اللفظ ولا توجد في معاجم اللغة كذلك، فهي لفظ جديد اشتقه المعاصرون واستخدموه. ومن هنا ينشأ السؤال هل عرف المتقدمون المفهوم وإن لم يستعملوا له لفظ الحاكمية أم أن المصطلح وما يحمله من مفاهيم أمر جديد بالكلية؟ هذا ما يحاول البحث الآن استقراءه. وسيكون المنهج المتبع النظر في آراء الأوائل وأقوالهم وتحليلها ومحاولة فهمها كما هي، إذ من الخطأ الذي قد يقع فيه كثير من المعاصرين، إعادة قراءة أقوال الأوائل وتفسيرها في ضوء مفاهيم العصر، وإلباسها لباسا غير الذي أرادوه. فهذا منهج لا يصل بالمرء إلى الحقيقة، بل لا بد من ترك االمتقدمين يتحدثون بلسانهم وفهم ما أرادوه وسبر غور دلالاته ومعانيه، وإلا كان المرء متقولا عليهم ما لم يقصدوه، وقارئا لأفكاره في أقوالهم.
حقيقة الملك والخلاقة
أول ما يطالع المرء في كتابات الأوائل تعريفهم لحقيقة السلطة الحاكمة على المجتمع البشري، فقد رأوا أن الاجتماع ضرورة بشرية، ولا يتحقق حفظ مصالح الناس ودفع شرورهم بين بعضهم البعض إلا بوازع وحاكم، تكون بيده قوة قاهرة تستطيع أن تخضعهم لسلطته، لا تعلوها قوة ولا تغلبها. ويكفي هنا اقتباس ما قاله ابن خلدون حين قال:
"الملك منصب طبيعي للإنسان، لأنا قد بينا أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم... واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم، ولا بد في ذلك من العصبية... وليس الملك لكل عصبية، وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال ويبعث البعثوث ويحمي الثغور، ولا تكون فوق يده يد قاهرة،وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور." [23]
ويقسم ابن خلدون الملك إلى ثلاثة أنواع: ملك طبيعي لا يقوم على قانون، وملك سياسي يقوم على قوانين عقلية يرتضيها كافة الناس، وملك شرعي يقوم على شريعة منزلة من الله تعالى. ويخلص من ذلك إلى أن الخلافة الإسلامية هي النوع الثالث من الملك. يقول ابن خلدون:
"لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر... كانت أحكام صاحبه في الغالب جائزة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق ... فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة ينقادون إلى أحكامها، كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها... فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية. وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها، كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة... وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء، ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة، وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية... فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع، في حراسة الدين وسياسة الدنيا به." [24]
فمن الواضح أن لفظ الملك هو المصطلح الذي يستعمله علماء المسلمين الأوائل للسلطة الحاكمة للمجتمع، وحقيقته - كما بين ابن خلدون - قوة ليس فوقها قوة، و"ليس فوق يدها يد"، تستطيع أن تخضع الناس لطاعتها، لأداء وظائفها في حفظ مصالح الناس ودفع شرورهم. ويكون هذا الملك إسلاميا إذا التزم القوانين والشريعة المنزلة من الله عز وجل، وهذه هي التي اصطلح على تسميتها بالخلافة، كما أطلقت عليها مصطلحات الإمامة والإمارة. ويتجه البحث الآن إلى النظر في تعريفات الخلافة، لتتبين منها حقيقتها وطبيعتها وصفاتها وخصائصها.