فهرس الكتاب

الصفحة 15214 من 27364

لعله يحسن البدء بتعريف الماوردي، الذي يصفها بأنها (خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) [25] . فهذا التعريف يشمل ثلاثة أركان. الأول أن الخلافة في الأساس خلافة للنبوة، إذ أن من مهمة الأنبياء أن يسوسوا الناس ويحكموهم، كما جاء في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون) [26] . ولقد لقب أبوبكر رضي الله عنه بلقب خليفة رسول الله لأنه كان أول خليفة، ثم سمي عمر رضي الله عنه بخليفة خليفة رسول الله. [27] ويبدو أن هذا رأي مقبول عند السلف، وقد رفض بعضهم صراحة أن تكون الخلافة خلافة لله [28] . أما الركنان الثاني والثالث فيبينان وظيفة الخلافة وواجباتها بإجمال. فأهم وظائف الخلافة إقامة الشريعة وتمكينها والمحافظة على أسسها، فالسلطة السياسية في الإسلام تنبع من الدين وعليها أن تحرسه وترعاه، ومن عبارات السلف في ذلك قولهم (الدين أس والسلطان حارس) . ويؤكد الماوردي هذه العلاقة بين الدين والسلطة السياسية حين يقرر أن الدين دون سلطة سياسية معرض للاضمحلال والزوال، وإذا انفصلت السياسة عن الدين انقلبت إلي استبداد وطغيان. [29] ولكن ليست غاية الخلافة تمكين الدين فحسب، بل إن من وظائفها الهامة سياسة الدنيا وعمارتها.

وتتبين حقيقة الخلافة وطبيعة سلطتها وخصائصها من تعريفات أخرى لها. فمن هذه الخصائص أنها سلطة عامة، ولهذا قد وصفت بالولاية العامة. ومن التعريفات التي توضح هذه الخاصية تعريف التفاتازاني الذي يصفها بأنها (رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم ) [30] . وتظهر خاصية العموم من تعريف الجويني الذي يقول: (الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا) . [31] ومن الخصائص أيضا أن الخلافة هي أعلى سلطة بحيث لا يكون فوق يدها يد، ولعل هذا قد اتضح من تعريف ابن خلدون لحقيقة الملك حسب ما ورد آنفا، ويشير إليه تعريف القاضي عبد الجبار الذي يذكر أن الإمام لغويا تعني المقدم على غيره، وفي الإصطلاح تدل على من بيده الولاية على الناس والتصرف في أمورهم بحيث"لا يكون فوق يده يد". [32]

ومن خصائص الخلافة التي يقررها الجويني أيضا الاسقلال، فهو يشترط هذه الصفة ويرى أنها ضرورية لتؤدي الخلافة وظيفتها، وإن كأن عليها أن تلتزم بالشورى حتى لا تتصف بالاستبداد، إذ أن الاستقلال في رأيه لا يعني الاستبداد. [33] أما الرازي فقد أضاف في تعريفه خاصية أخرى نبهت لأمر هام حين قال: (الإمامة رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص) ، فأضاف أنها سلطة يحوزها شخص واحد، وسبب هذا القيد كما ذكر أنه (احتراز من كل الأمة) ، والظاهر أنه يقصد بهم أهل الحل والعقد، لأن رياستهم فوق الإمام إذ بيدهم سلطة اختياره وسلطة عزله. [34] وهذا نظر ثاقب إلى السلطة التى تتمتع بها الأمة فوق سلطة الإمام، وإن كانت سلطته أيضا عامة وعليا.

وهكذا يتضح من هذه النقاش أن علماء المسلمين المتقدمين قد أبانوا حقيقة سلطة الخلافة وخصائصها، ووصفوها بالعموم والعلو فوق كل سلطة بحيث لا يكون فوقها سلطة، إلا سلطة الأمة التى لها حق اختيار الخليفة وعزله.

الحاكمية عند علماء المسلمين المعاصرين

يتجه البحث الآن إلى علماء المسلمين الذين بحثوا مسألة الحاكمية، بعد هيمنة الفكر الأوربي على العالم الإسلامي، وتأثيرها عليه بفكرها السياسي خلال الثلاثمائة سنة الماضية. وسوف يتناول البحث المفكرون في الأقطار الثلاثة التي كانت رأس الرمح في نشر الفكر المعاصر، وذلك بطبيعة احتكاكها المبكر بالغرب وبثقافته وفكره، وتلك الأقطار هي تركيا وشبه القارة الهندية ومصر.

المفكرون الأتراك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت