فهرس الكتاب

الصفحة 15032 من 27364

أعود فأقول: إن النصوص الشرعية لم تأت حاثة على إنشاء الخلاف وإحداث الاختلاف؛ بل على العكس تماماً؛ إذ لم يكن الاختلاف يوماً من الأيام مطلباً شرعياً، ولا غاية أو هدفاً حث الشارع العباد على تحقيقه، والسعي في إيجاده، إنما هو من باب الأمر القدري الكوني وليس من باب الأمر الشرعي، وفرق بين الأمرين عظيم.

والذي يزيد الأمر وضوحاً أن الشارع سبحانه أمر عند الاختلاف بالرجوع إلى الكتاب والسنة؛ حسماً لمادته، وحداً من آثاره، وطلباً للوفاق، فلو كان الاختلاف مطلباً شرعياً لما أمر سبحانه بالرجوع إلى الكتاب والسنة ولأقرهم على حالهم وامتدحهم لذلك؛ ولهذا قال الإمام المزني رحمه الله:"قال تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم 105 {آل عمران: 105} ، وقال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا 59 {النساء: 59} ، فذم الله الاختلاف، وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فلو كان الاختلاف من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما أمرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة... وقد اختلف أصحاب رسول الله ، فخطّأ بعضهم بعضاً، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم لما فعلوا ذلك" (3) .

سبب الاختلاف:

من المهم أن ندرك أن حدوث الاختلاف سببه تنوع الاجتهاد لاتخالف الأدلة، والاجتهاد جهد بشري، والأدلة وحي منزل، وحينئذ لايمكن أن يتصور وجود التعارض بينها؛ لأنها خرجت من مشكاة واحدة، وكلها تصب في معين واحد، فما يتوهم من وجود التعارض بينها أحياناً إنما هو تعارض صوري قام في ذهن الناظر لها، أما حقيقة الأمر فلا تعارض بينها البتة.

ولأجل ذلك كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين وليست كلها صواباً، وهذا الواحد هو الذي يوفق لإصابة الحق الذي أراده الشارع، وإنما جعل للمخطئ أجر واحد لا مكافأة له على إحداث الخلاف؛ بل لامتثاله أمر الشارع بالاجتهاد والنظر في الأدلة. فإذا بذل جهده لطلب الحق ولم يوفق إليه فإنه يعذر في ذلك؛ لأنه قد يعتريه شيء من عوارض النفس البشرية يحول دون إصابته الحق، والإنسان لايحاسب على القصور، وإنما يحاسب على التقصير.

قال الإمام البيهقي رحمه الله:"وقد وعد رسول الله في حديث صحيح عنه لمن اجتهد فأصاب أجرين، ولمن اجتهد فأخطأ أجراً واحداً، ولايكون الأجر على الخطأ، وإنما يكون على ما تكلف من الاجتهاد، ويرفع عنه إثم الخطأ بأنه إنما كلف الاجتهاد في الحكم على الظاهر دون الباطن، ولايعلم الغيب إلا الله عز وجل" (4) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"قول عامة السلف والفقهاء أن حكم الله واحد، وأن من خالفه باجتهاد سائغ مخطئ معذور ومأجور؛ لعفو الله عنه، فإنه لايكلف نفساً إلا وسعها، وهذا مما لانعلم بين الأمة فيه خلافاً، إلا شيئاً يحكى عن بعض معتزلة بغداد مثل: بشر المريسي وأضرابه، أنهم زعموا أن المخطئ من المجتهدين يعاقب على خطئه" (5) .

إذن فالاختلاف نتيجة طبيعية للجهد البشري الحاصل من التفقه في نصوص الكتاب والسنة، ومادام الأمر كذلك فلا يمكن أن يصير هذا الناتج البشري وهو الاختلاف غاية يسعى العلماء لتحقيقها، وينبذون وراءهم الأدلة الشرعية القطعية الآمرة بالاتفاق والائتلاف، الناهية عن الشقاق والخلاف؛ ولهذا لو قدر أن أهل العلم يستطيعون الاتفاق على حكم الواقعة لم يجز لهم أن يحدثوا خلافاً، ولم يجز لمن جاء بعدهم أن يخرق هذا الإجماع؛ لما فيه من شق عصا الأمة، وتشتيت كلمتها.

فالعالم والمجتهد لايؤمر بالاتجاه مباشرة لنصب الخلاف؛ بل يطلب منه النظر في المسائل، فإن كانت مما أجمع عليها لم يكن له خرق الإجماع ومخالفته، وإنما دوره حينئذ يقتصر على حكايته، والتدليل عليه لاغير، وإن كانت المسألة مما لم يجمع عليها فيلزمه التأمل في الأدلة الشرعية على ضوء القواعد المقررة طلباً للحق والصواب، وبعد ذلك يجب عليه التزام ماظهر له أنه الحق والصواب بغض النظر عمن قال به من الأئمة، ثم هو أحد اثنين: إما مخطئ فله أجر واحد، وإما مصيب فله أجران، وبهذا تنتهي منظومة الاجتهاد العملية المقررة عند أهل العلم، والتي يجب على طالب الحق سلوك جادتها.

وإنما كان لابد للعالم وطالب العلم من معرفة الخلاف وأقوال العلماء لتحصيل فائدتين:

الفائدة الأولى: أن يسلم من الشذوذ، فلا يتبنى قولاً يشذ به عن إجماع الأمة، وأيضاً لايحكي إجماعاً في المسألة مع أن الخلاف فيها قائم بين الأئمة.

والفائدة الثانية: الاستفادة من طرائق النظر والاستدلال التي سلكها الأئمة في تحصيل الفقه، والوقوف على مايسوغ وقوعهم في مثل هذا الاختلاف.

فهاتان الفائدتان النفيستان لاتتحصلان إلا بالوقوف على اختلاف الأئمة رحمهم الله ، وعلى هذا يحمل قول قتادة رحمه الله:"من لم يعرف الاختلاف لم يشم رائحة الفقه بأنفه" (6) .

وقول سعيد بن أبي عروبة رحمه الله:"من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالماً" (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت