فهرس الكتاب

الصفحة 15033 من 27364

والخلاصة: أن الخلاف ليس مطلباً شرعياً، ولا أمراً يقتضيه العقل، ولا شيئاً محموداً ترتضيه النفوس السوية؛ بل هو أمر قدري كوني حدث من غير قصد من العلماء إلى إنشائه وإحيائه، فهو من الشر الذي لابد منه؛ ولهذا أنكروا على من يتخذه قاعدة ينطلق منها، أو أصلاً يستدل به، حتى قال ابن عبدالبر رحمه الله:"الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله" (8) .

ويؤكده أن العلماء أسقطوا التعليل بالخلاف، فلا يقال في شيء بالكراهية مثلاً لوجود الخلاف في المسألة؛ لأن التعليل بالخلاف عليل، وقد قال الونشريسي المالكي رحمه الله:"القول بمراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الأشياخ المحققين، والأئمة المتفننين، منهم: أبوعمران، وأبو عمر ابن عبدالبر، والقاضي عياض" (9) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر؛ فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر؛ فإن ذلك وصف حادث بعد النبي ، ولكن يسلكه من لم يكن عالماً بالأدلة الشرعية" (10) .

الأصل الثاني:

أن الخلاف نوعان:

النوع الأول: خلاف معتبر.

والنوع الثاني: خلاف غير معتبر.

فأما الخلاف المعتبر فهو الخلاف الذي تتجاذبه الأدلة وله حظ من النظر، فهذا هو الخلاف القوي الذي يصل أحياناً ببعض العلماء إلى الوقف عن الترجيح فيه.

وأما الخلاف غير المعتبر فهو الخلاف الضعيف الذي ليس له وجاهة أو وجه من الدليل، بل قد يكون الدليل على خلافه.

وهذا النوع من الخلاف له صور كثيرة معروفة، كالخلاف المبني على قول شاذ، أو مذهب مهجور، أو خالف فيه صاحبه الإجماع الثابت، أو كان من القياس فاسد الاعتبار وهو مايكون في مقابلة النص ، أو مصادماً لنصٍ صريح، أو نحو ذلك.

وهذا النوع من الخلاف الضعيف هو الذي عابه الأئمة واطرحوه، وردوا على صاحبه مشنعين عليه رأيه، وقد قال الإمام أبو الحسن ابن الحصار المالكي (ت611ه) :

فليس كل خلافٍ جاءَ معتبراً

إلا خلافٌ له حظٌّ من النظرِ (11)

وبهذا يتبين أن إطلاق من أطلق الاعتداد بالخلاف خطأ ظاهر؛ لأن من الخلاف مالا يعتد به ولا يعول عليه، فوجوده وعدمه سواء حينئذٍ.

الأصل الثالث:

إن من عقيدة أهل السنة والجماعة عدم إثبات العصمة لأحد من البشر كائناً من كان، إلا الأنبياء والرسل فيما يبلغون عن الله تعالى؛ فإنهم معصومون من الخطأ والسهو في تبليغ الدين، أما من عداهم من العلماء والأئمة مهما كان فضلهم وعلمهم فإنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والغفلة والنسيان ونحو ذلك من عوارض البشر.

وهذا هو معنى قول الإمام مالك رحمه الله في المشهور عنه:"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"وأشار إلى الحجرة، يقصد النبي .

وما من إمام إلا وقد أخذت عليه أشياء من الغرائب أنكرها عليه غيره من العلماء، ولايكاد يسلم من ذلك أحد، بدءاً من الصحابة رضي الله عنهم فإنهم رأس هذه الأمة فضلاً وعلماً وعبادة وجهاداً وطاعة، ثم من دونهم، فمن دونهم، وهلم جرا.

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يرى أن البَرَدَ لايفطر الصائم؛ لأنه بركة وليس طعاماً أو شراباً (12) .

وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما يمنعان الناس من التمتع في الحج، ويعترض على ذلك: علي بن أبي طالب وعمران بن حصين رضي الله عنهما (13) .

وأبو هريرة رضي الله عنه يتوضأ حتى يصل بالماء إلى إبطيه (14) ،وقد قال الله عز وجل: وأيديكم إلى المرافق6 {المائدة: 6} .

وعبدالله بن مسعود رضي الله عنه كان يرى التطبيق في الصلاة (15) (أي وضع اليدين بين الرجلين أثناء الركوع) مع أنه منسوخ.

وأبو ذر رضي الله عنه كان يرى وجوب إخراج مازاد على الحاجة من الذهب (16) .

وغير ذلك من الأمثلة كثير، فإذا كان هذا الشأن في الصحابة رضي الله عنهم فكيف الحال بمن جاء بعدهم؟!، وما من أحد إلا وقد فاته شيء من الآثار كما قال الشافعي رحمه الله:"لانعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء".

وهنا أمر مهم للغاية يجب التنبه له والوقوف عنده وهو أن كثيراً من أتباع المذاهب يبتكرون أقوالاً من رؤوسهم ثم ينسبونها إلى مذاهب الأئمة؛ زعماً منهم أنها مخرجة على أصولهم، ماضية على قواعدهم، والأئمة من ذلك براء، ولو قدر لهم أن يطلعوا على تلك الأقوال لأنكروها؛ لوضوح مخالفتها للكتاب والسنة، وأضرب لذلك بمثالين:

المثال الأول:

ماذكره الحطاب الرعيني (ت954ه) في شرحه على (مختصر خليل) عن الشيخ زروق من كراهة صوم يوم المولد النبوي! والعلة في ذلك أنه من أعياد المسلمين فينبغي ألا يصام فيه!! (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت