وقد سبقه إلى تقرير ذلك شيخه ابن عباد القوري فقد قال في رسائله الكبرى:"وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشموع، وإمتاع البصر والسمع، والتزين بلبس فاخر الثياب، وركوب فاره الدواب؛ أمر مباح لاينكر على أحد؛ قياساً على غيره من أوقات الفرح. والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم الشهود، وانقشع فيه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان؛ أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمة، وتدفعه الآراء المستقيمة... ثم حكى قصة له وقعت مع شيخه ابن عاشر، وأنه هو الذي دله على هذه الفائدة النفيسة (18) ."
فانظر كيف أدرجت هذه البدعة النكراء ضمن مذهب الإمام مالك رحمه الله ، وصار يتداولها علماء المالكية المتأخرون في مصنفاتهم، مع أن الإمام مالك رحمه الله لم يقل بها، لاتصريحاً ولا تلميحاً ولا إيماء، ولا هي مخرجة على أصول مذهبه أو قواعد فقهه، ولقد أجاد العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله حين قال:"فهذا الكلام الذي يقتضي قبح صوم يوم المولد، وجعله كيوم العيد من غير استناد إلى كتاب الله ولاسنة رسوله ، ولا قول أحد من أصحابه، ولا من تابعيه، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين، الذي أدخله بعض المتأخرين في مذهب مالك، ومالك بريء منه براءة الشمس من اللمس، ولم يجر على أصول مذهبه" (19) .
المثال الثاني:
ما اشتهر من أن مذهب الإمام الشافعي وجوب التلفظ بالنية في الصلاة، مع أن الإمام الشافعي رحمه الله لم يذكر ذلك في كتبه، ولا نقله عنه تلاميذه؛ حتى جاء أبو عبدالله الزبير ابن احمد الزبيري، أحد فقهاء الشافعية بالبصرة (ت317ه) وخرَّج وجهاً من كلام الإمام الشافعي زاعماً أنه يقول بوجوب التلفظ بالنية في الصلاة.
وهذا التخريج قد غلطه فيه كبار الأئمة من الشافعية وغيرهم، وسببه سوء فهم لعبارة الإمام الشافعي فإنه قال:"إذا نوى حجاً وعمرة أجزأ وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لاتصح إلا بالنطق" (20) فالإمام الشافعي رحمه الله يقرر هنا أن من نوى الحج أو العمرة أجزأه ذلك ولو لم يتلفظ بالتلبية، بينما لاتجزئه النية وحدها في الصلاة إذا لم ينطق بتكبيرة الإحرام، فظن الزبيري رحمه الله أن مراد الشافعي وجوب النطق بالنية في الصلاة، وهذا غلط بين؛ ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله:"قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا؛ بل مراده التكبير" (21) .
وهذا الذي ذكرناه ماهو إلا نماذج يسيرة، توقظ المتبصر الطالب للنجاة أن يستوثق من علمه الذي يأخذه، هل هو أصيل أو دخيل؟ فإن من المدخول على مذاهب الأئمة أمور خاطئة في أصل الاعتقاد، فتدبيس بعض الأقوال في مذاهب الأئمة الأعلام لم يعد قاصراً على المسائل الفقهية بل تعداه أيضاً إلى مسائل العقيدة، والله المستعان.
فما أرمي إليه هنا هو بيان أن الخطأ قد يصدر من الأئمة فعلاً، وقد ينسب إليهم زوراً وبهتاناً وهم منه ُبرَآء، فهذا الأخير نبهت عليه للتحذير منه، والبعد عنه خشية أن يغرر بقارئ كتب المذاهب؛ فتستهويه تلك المدخولات على أقوال الأئمة فيظنها أقوالاً لهم على الحقيقة، فيتخذها ديناً وقربة، والأمر على خلاف ذلك تماماً، وأما الأول وهو الخطأ الصادر عن الأئمة فعلاً فيما صح عنهم، فهذا هو الذي لأجله عقدت الأصل الثالث.
والسؤال: ما موقعنا من الأقوال التي تبين لنا خطأ الأئمة فيها؟ هذا جوابه سيكون في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
@ الهوامش:
1 مجموع الفتاوى (23-346) وقال أيضاً:"والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع؛ بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلاً"ومنهاج السنة: (5-87) .
وذكر مثل هذا الكلام: ابن القيم في مختصر الصواعق: (2-613) ، وعبدالرحمن ابن سعدي في طريق الوصول (7) ، وغيرهم من العلماء.
2 انظر: المبسوط للسرخسي: (1-9897) .
3 نقله عنه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله: (2-910 911) .
4 معرفة السنن والآثار (1-140) ، وانظر كلام الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: (1-475) .
5 رفع الملام: (44،45،72) ، ومجموع الفتاوى: (19-122 123) وقد حكى الاتفاق على ذلك أيضاً جماعة من الأصوليين ك: الآمدي، والغزالي، وغيرهما. انظر: الإحكام: (4-244) ، والمستصفى: (2-361) وما بعدها.
6 أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم رقم: (1520) ، (1522) بسند ضعيف.
7 أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم رقم: (1521) ، (1536) بسند صحيح.
8 جامع بيان العلم: (2-922) ، وكذا قال الخطابي أيضاً في أعلام الحديث: (3-2092) .
9 المعيار المعرب: (12-36) .
10 مجموع الفتاوى: (23-281) ، ومن أجود ما ألف في موضوع مراعاة الخلاف كتاب: مراعاة الخلاف، بحث أصولي للشيخ: عبدالرحمن بن معمر السنوسي.