فإن لم تتلق الفطرة الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة فإنها تهيم في ضلالة كضلالة الشاعر"الجاهلي"المعاصر ، إيليا أبو ماضي:
جئت .. لا أعلم من أين ! ولكني أتيت !
ولقد أبصرت قدامي طريقا .. فمشيت !
وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت !
كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ .. لست أدري !!
وهو يعبر في الحقيقة عن أزمة الجاهلية المعاصرة ، التي استبد بها القلق حين استبد بها الضلال .. حين لم تستطع أن تجد الإجابة الشافية على أسئلة الفطرة .. فهامت في الظلمات على الرغم من كل ما لديها من"العلم"!
( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (76) .
فإذا فرغ العقل البشري من مهمته الأولى - التي يترتب عليها منهج حياته في الدنيا ومصيره في الآخرة - فأمامه مهام كثيرة أخرى في مقدمتها التعرف على الكون المادي ، وعلى خواص المادة ، من أجل استغلال ذلك في عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني - وذلك ميدان العلوم سواء منها النظرية والتجريبية - والتعرف على الوحي الرباني لإدراك مراميه ، لإدارة الحياة بمقتضاه - وتلك هي العلوم الشرعية بما فيها الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث - والتعرف على السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية ، من أجل إقامة الحياة متناسقة مع تلك السنن غير حائدة عن مقتضياتها - وذلك علم الاجتماع - والتعرف على التاريخ البشري الذي هو مقتضى تعامل البشر مع تلك السنن خلال ما مر من الزمان ، للاعتبار به في حاضر الأمر ومستقبله - وذلك علم التاريخ - ثم أي علم بعد ذلك ينفع الإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة ..
وذلك هو"التنوير"الحق ، النابع من الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة ، والذي يعمل فيه العقل مهتديا بالهدي الرباني فلا يشطح ولا يضل ..
ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك ذلك .. ولم تدرك أن"التنوير"على المنهج الغربي كانت له أسبابه المحلية البحتة في أوربا ، وكانت له نتائجه المغرقة في السوء ..
لقد كانت"عقلانية"الغرب رد فعل لحجر الكنيسة على العقل عشرة قرون متوالية على الأقل هي ما سموه في تاريخهم"القرون الوسطى المظلمة"وقد كانت مظلمة حقا ، ولكن لا بسبب"الدين"كما تصورت أوربا في أثناء هروبها من طاغوت الكنيسة ، وإنما بسبب"ذلك الدين"الذي اعتنقته أوربا محرفا لا تسيغه العقول ، فقررت الكنيسة أن تحجر على العقول لكي لا تكشف زيفه ومتناقضاته ، فقالت للناس آمنوا ولا تناقشوا .
فلما احتكت أوربا بالمسلمين ، ورأت أنهم"يفكرون"وأن لهم نتاجا فكريا يملأ مئات الكتب بل ألوفها ، هفت نفوسهم"للتفكير"فاتهمتهم الكنيسة بالزيغ والهرطقة ، فكان رد الفعل المتحدي لطغيان الكنيسة هو نبذ الدين كله ، وإعمال العقل بدلا من الدين ، وهدم ما أسموه"خرافة الميتافيزيقا"، والاعتماد في كل شيء على مقولة العقل ، سواء كان مما يدخل في طوق العقل إدراكه أو لا يدخل ، وسواء كان مما يحل للبشر أن يختاروا فيه بعقولهم أو لا يحل !
وقد"تنورت"أوربا ولا شك في مجال العلوم - حين أخذت عن المسلمين المنهج التجريبي في البحث العلمي - ونبذت خرافات الكنيسة"العلمية"التي كانت تفرضها على الناس باسم الدين ! ولكنها ضلت ضلالا شديدا فيما أسمته"العلوم الإنسانية"- أي العلوم التي يؤخذ العلم فيها من الإنسان لا من مقولات الدين - فأوصلها ضلالها إلى الإيمان بحيوانية الإنسان وماديته ، وإلغاء القيم العليا ، وتطبيق قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف أو يزيحه من الطريق ، بصرف النظر عن الحل والحرمة ، وبصرف النظر عن كون القوي صاحب حق أم صاحب باطل .. وثمرته ما يجري اليوم على الساحة الدولية من ظلم وحشي ، فضلا عن القلق والجنون والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة داخل المجتمع الغربي"المتنور"!
ولقد كانت"الميتافيزيقا"عندهم ضلالا صارفا عن الحق ، وصارفا عن العمل في واقع الأرض ، لا لأنها في ذاتها"غيبيات". فالغيب حقيقة . ولكن لأن الفكر الكنسي اللاهوتي صبغها بصبغته فأفسدها كما أفسد الدين كله . وكان التنوير الصحيح يقتضي الإيمان بعالم الغيب على بصيرة ، والإيمان بعالم الشهادة على بصيرة كذلك ، فتكتمل المعرفة ، ويتوازن"الإنسان". أما"التنوير"الذي يجعل عالم الشهادة بديلا من عالم الغيب ، والعقل بديلا من الدين ، والعمل للدنيا بديلا من العمل للآخرة .. فلا يفترق كثيرا عن"الظلام"الأول ! فقد كانت جريمة الظلام الأول أنه اتخذ نصف الإنسان بديلا من نصفه الآخر ! فجعل عالم الغيب بديلاً عن عالم الشهادة ، وجعل الدين بديلا من العقل ، وجعل العمل للآخرة بديلا من العمل للدنيا ، فجاء الظلام الآخر - الذي يسمى"التنوير"- فأبرز النصف الذي كان مهملا من قبل ، وأهمل النصف الذي كان بارزا من قبل ، فارتكب نفس الجرم الذي عابه على غريمه من قبل ، ووقع الافتئات في الحالين على كيان"الإنسان".