كان من الواضح أن الإسلام يقرر أن حق التشريع لله وحده بلا شريك: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (66) ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (67) ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (68) في شئون الكون وشئون التشريع سواء ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (69) ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) (70) .
وكان من الواضح كذلك أن أوربا تقرر - قولا وعملا - أن الله لا شأن له بالتشريع ، وأن حق التشريع موكول للإنسان .
ودارت الأمة دورة في التيه فقال قائل منها: إن الإسلام لا علاقة له بنظام الحكم ! وإن صلى الله عليه وسلم لم يكن حاكما ، إنما كان قاضيا يقضي بين الناس ! وإن الخلافة لم تكن نظام حكم !
ودارت دورة أخرى في التيه فقال قائل منها: إن الشريعة التي نزلت قبل قرون طويلة لم تعد تصلح لأن تحكم حياة البشر اليوم في عالم متطور ، لا وجه للشبه بينه وبين العالم الذي نزلت فيه تلك الشريعة قبل ذلك المدى الطويل من القرون !
ودارت دورة أخرى فقال قائل منها: إن الإسلام نظام دكتاتوري .. يقوم على الإستبداد بالسلطة ، ويهمل"الأمة"التي هي - في الدولة"العصرية"- مصدر السلطات ..
وإذا كان الجدل قد ثار - بالعدوى من أوربا - حول حق الله في التشريع ، والتحليل والتحريم ، فقد ثار كذلك حول حق الله في تقرير القيم وتقرير المعايير ..
من الذي يقرر القيم التي تحكم حياة الإنسان ؟ الإنسان أم الله ؟
فأما الإسلام فقد قرر بوضوح أن الله هو الذي يقرر القيم كما يقرر الشرائع لأنه هو الخلق المدبر الرزاق:
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (71) .
(.. هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (72)
وأما أوربا فقد تمردت على ألوهية الله ، وألّهت الإنسان بدلا منه ، وقالت إن الإنسان هو الذي يقرر قيمه لأنه أعلم بواقعه ، وأعلم بمصلحته !!
وكتب أحد كتابها كتابا سماه"الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone"أي بعيدا عن وصاية الله ، وكتب آخر كتابا سماه"الإنسان يصنع نفسه Man Makes Himself"أي بعيدا عن تعاليم الله .
وقد كانت لأوربا ظروفها التي أدت بها إلى هذا الموقف المتمرد على الله ، وهي ظروف قد تفسر ولكنها لا تبرر ، فإنه لا شيء على الإطلاق يبرر الكفر بالله .
ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك القضية على حقيقتها ، وظنت أنه من دلائل"التقدم"أن يصوغ الإنسان قيمه بنفسه ، ويحدد معاييره ! أليس الله قد وهب للإنسان عقلا يفكر به ؟ وها هو ذا الإنسان يشغّل عقله ليضع منهاج حياته ، مستعينا بثمار العلم وثمار التجربة .. وأي إنسان هو الذي يصنع ذلك ؟! إنه"ذلك"الإنسان ! القوي المتمكن المتفكر المتعمق ، الذي يسيطر على كل الأرض ، والذي نحبو نحن من خلفه حَبْواً ، بينما هو يكتسح الطريق !
لم تدرك الأمة أوجه الخلل في هذه القضية .
لم تدرك أولا مجالات العمل المطلوبة من العقل البشري ، الذي أنعم الله به على الإنسان ، وفضّله به على كثير ممن خلق ..
( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (73) .
إن المجال الأول والأعظم لهذا العقل هو الاهتداء إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى ، ومن ثم عبادته وحده بلا شريك . فالإنسان عابد بفطرته .. ودَعْ عنك موجة الإلحاد المصطنعة التي روّج لها شياطين الأرض في هذا القرن الأخير خاصة ، والتي تلاشت من ذات نفسها حين انهارت الشيوعية حامية الإلحاد ، فعاد الناس - المهتدون منهم والضالون - يهرعون إلى مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم كأن لم يكونوا قد ألحدوا قط !
الإنسان عابد بفطرته .. وإنما الفرق بين عابد وعابد أن احدهما يعبد الله الحق ، ويعبده وحده بلا شريك ، وآخر يعبد آلهة أخرى غير الله ، معه أو من دونه ، ويتصور الله على غير حقيقته ، أو يعبد هواه:
( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (74) .
والمهمة العظمى للعقل الذي وهبه الله للإنسان أن يبحث في تلك القضية الأساسية ، التي يترتب عليها كل مصير الإنسان في الدنيا والآخرة: ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) (75)
فأما في الآخرة فيترتب عليها الخلود في الجنة أو الخلود في النار ..
وأما في الدنيا فيترتب عليها إجابة أسئلة كثيرة: من المعبود الذي تجب له العبادة ؟ من المشرع الذي يحل ويحرم ؟ من المقرر الذي يقرر منهج الحياة ؟ ما مصدر التلقي في قضايا الحياة الكبرى ؟ فضلا عن الإجابة على أسئلة أخرى تخطر على الفطرة وتحتاج إلى إجابة ، وإن لم تتلق الإجابة الصحيحة تحيّر الإنسان وتشقيه: من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ من أين جئنا ؟ إلى أين نذهب بعد الموت ؟ لأي شيء نعيش ؟ كيف ( على أي منهج ) نعيش ؟