فهرس الكتاب

الصفحة 26411 من 27364

وحين صارت الفتنة هدفا مقصودا لم يكن يُتَصَوّرُ أن يظل الأمر كله نظريا ولا شفويا .. ولا بد أن يقع المحظور ..

ووقع المحظور ..

وكان مخالفا بطبيعة الحال لكل أعراف المجتمع وتقاليده وموروثاته وقيمه ومبادئه وأخلاقه ..

وهنا قام الطبالون الزمارون بمهاجمة تقاليد المجتمع وموروثاته التي تحظر المحظور ! ونادت بضرورة إباحة ما حظره الدين !

وانحل المجتمع بالفعل ، وصار ينظر إلى المحظور على أنه مباح ، وينظر إلى الحظر بعين الاستنكار !

لم تعد القضية: كيف جرؤ الناس على إباحة المحظور .. وإنما أصبحت: لماذا يحظر الدين ما يجب أن يباح ؟!

ونشرت - عمدا - آراء فرويد وتعاليمه ، وتخصصت لها صحف ومجلات ، لتقول إن الحظر - سواء كان منبعه الدين أو المجتمع أو الأخلاق - يورث الكبت ، والعقد النفسية ، والاضطرابات العصبية .. ولا بد من إباحة المحظور لتستقر النفوس !!

وانفلت الأولاد والبنات - وهم في ظلمات التيه - يحسبون أنهم أحرزوا أعظم نجاح في التاريخ !

ما حال البيت .. ؟

وما حال المسجد ؟

البيت الذي هجرته سيدته لتخرج إلى الشارع ، سواء للعمل أو للفتنة ، أو للعمل والفتنة معا .. كيف يتوفر فيه السكن الذي جعله الله آية من آياته:

( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا .. ) (63) .

وكيف تتوفر فيه العناية اللازمة للطفولة ، التي يتربى فيها الطفل على القيم والمبادئ والأفكار والعقائد التي يقوم المجتمع عليها ؟

لقد كان تدمير البيت هدفا مقصودا في المخطط الشرير الذي وضعه اليهود لإفساد حياة الأمميين من أجل استحمارهم في النهاية ، وقد وجدوا المجال مفتوحا أمامهم في أوربا فاستغلوه جيدا ، حين خرجت المرأة للعمل من أجل الحصول على لقمة الخبز ، ثم أشعلوا قضية"تحرير المرأة"لينفروها من البيت و يحببوا إليها هجره .. فتفككت الأسرة وانحل المجتمع .. وبقي المجتمع الإسلامي على كل ما فيه من اختلالات محافظا على روابط الأسرة وروابط"البيت".. وكان هذا عقبة في طريق المخطط اليهودي العالمي لإفساد الأمميين جميعا في كل الأرض ، والمخطط الصليبي لإفساد المجتمع الإسلامي بخاصة ، ليسهل على الجميع السيطرة والتمكن ، وإزالة العدو الباقي لهم في الأرض ..

وتم المطلوب ..

لم يعد"البيت"بالمعنى الإسلامي موجودا في المجتمع .. لم يعد ذلك المحضن الذي يعلّم الأطفال الإسلام ، ويربيهم على تقاليده ، ويرسّخ فيهم قيمه وتصوراته .. وفرك الأعداء أيديهم سرورا بهدم الركن الركين الذي يمكن أن ينبعث منه الإسلام من جديد .. فلا خطر اليوم من الرجل ولا من المرأة ولا من الأطفال ..

وهُجِرَ المسجد ..

المسجد الذي كان دائما في حياة المسلمين مركز الإشعاع ..

كان رمزا لكل معاني الخير ..

فيه يذكر الله وتقام الصلوات .. وفيه يتعلم الناس العلم .. وفيه يتربون على القيم الإسلامية .. ومنه ينطلق الجهاد .. وفيه تبرم الأمور ..

كان البيت محضن الصغار ، والمسجد محضن الكبار .. والمؤسستان معاً تتعاونان على إقامة البناء على أسس راسخة .. وهدم"البيت"بالمعنى الإسلامي ، وهجر المسجد .. فهدمت المحاضن التي تربي الناس على الإسلام ..

وبقدر ما هجر المسجد امتلأت السينمات والمسارح ودور اللهو ودور الفساد ..

وهنا قيل للناس: لا بأس عليكم ! ما زلتم مسلمين ما دمتم تقولون لا إله إلا الله ، فأنتم مسلمون !

لم يقف التيه بالأمة عند هذا الحد ..

ففي عالم الفكر كان التيه واسعا إلى أقصى حد ..

لقد انفتح"المثقفون"على الفكر الغربي ، ثم ترجموه إلى العربية سواء نسبوه إلى أصحابه الأصليين - إن كانوا أمناء - أو نسبوه إلى أنفسهم وتفاخروا به كذبا وزورا إن كانوا غير أمناء . وكثيرٌ ما هم !

وقد كانت في الفكر الغربي قضايا تستحق الوقوف عندها بالفعل .. قضايا عن"الإنسان"، وغاية وجوده ، وعلاقات الفرد بالفرد ، والفرد بالمجتمع ، والفرد بالدولة ، والإنسان والطبيعة .. والإنسان والله .

وكان أفسد ما في هذا الفكر حديثه عن الإنسان والله .. فقد كان الوضع فيه مقلوبا مائة في المائة .. تأليهٌ للإنسان وإنكار لألوهية الله .

ولا نخوض هنا في الأسباب التي أدت بأوربا إلى هذا الانحراف الحاد في هذه القضية بالذات ، فقد تحدثنا عنها في أماكن أخرى (64) .. ولكنا نذكر فقط أن الفكر"الإسلامي !"قد تتبع الفكر الغربي في جميع انحرافاته ، ولم يمنعه شيء من أن يخوض كذلك انحرافات الغرب في قضية الإنسان والله (65) .. وكان ذلك في عدة مجالات ..

من بين تلك المجالات - وفي مقدمتها - قضية التشريع ..

لمن يكون حق التشريع ؟ لله أم للإنسان ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت