لذلك فإذا كان بعض المحللين يرى أن"الحرب ضد الإرهاب أو توسيعها"تمثل أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، فإنهم يقتطعون الحقيقة؛ إذ لا يشيرون إلى التقسيم الجديد للعالم والمعايير الجديدة لهذا التقسيم، التي تختفي وراء الإعلان عن هذه الحرب. وهي ليست معايير أيديولوجية أو معايير توازن قوى، ولكنها معايير ذات أبعاد ثقافية حضارية لا يستطيع مصطلح"الإرهاب"المطَّاط إخفاءها؛ لأن هذا التقسيم يضع عالم الإسلام والمسلمين في كفة قوى الشر والقوى غير المتحضرة، وهو تقسيم يتأثر باعتبارات ثقافية حضارية يفرزها اليمين الديني الأمريكي الذي يلعب دورًا سياسيًّا محوريًّا في الإدارة الأمريكية الراهنة.
الثاني: أن الاختلافات بين تقاليد الحزبين الجمهوري والديمقراطي الخارجية تهتز الحدود الفاصلة بينها في أوقات الأزمات، وليس هناك أخطر مما واجهته الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولذا كانت هناك حالة من شبه التوحد وراء بوش رغم ظهور استثناءات، ولكن بصوت منخفض.
لذا فمن الآن فصاعدا لا أرى سبباً لانشغال المحللين بهذا الفارق بين الحزبين؛ وذلك لما أضحى عليه التداخل الكبير بين السمات الكبرى لتقاليد كل منهما في إدارة السياسة الخارجية؛ أي التداخل بين استخدام الأداة العسكرية لحماية المصالح الأمريكية المادية المباشرة (الجمهوريون) والاهتمام بالقيم الأمريكية مثل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن ثم عدم الإفراط في اللجوء للقوة العسكرية كسبيل للتغيير (الديمقراطيون) .
وقد ظهر ذلك التداخل تدريجيًّا منذ التدخل في كوسوفا؛ حيث استخدم الديمقراطيون القوة العسكرية لحفظ منظومة قيم -كما أعلنوا-، كما ظهر من قبل من جانب الجمهوريين في حرب الخليج الثانية (1991) ، عندما أكدوا أن استخدام القوة العسكرية إنما هو من أجل الشرعية الدولية وبناء"نظام عالمي جديد".
كذلك فإن أنماط استخدام القوة العسكرية في أفغانستان، والسكوت عن استخدامها من جانب إسرائيل في فلسطين، والتهديد بها ضد العراق وغيرها.. ليس انعكاساً للتقاليد الجمهورية في صورتها"النقية"، ولكنها مختلطة بالبعد القيمي وفق المفهوم الأمريكي؛ أي مقاومة قوى الإرهاب (قوى الشر) ، التي تهدد منظومة قيم العالم الحر بقيادة أمريكية، ومن ثم يهدد الإرهاب صميم المصالح المادية المباشرة بعد أن ضرب بقوة في صميم العاصمتين الأمريكتين: المالية والسياسية.
وهنا تبرز الخطورة الجديدة في تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية؛ أي التداخل بين أبعاد القوة العسكرية وأبعاد المنظومة القيمية، وحيث لم تعد الأخيرة تلبس رداء الأيديولوجيا فقط كما حدث خلال الحرب الباردة، ولكن أضحت تلبس رداء الأبعاد الثقافية الحضارية، وحيث أخذت الولايات المتحدة تستحضر الأساليب اللازمة لحمايتها، فردية كانت أم جماعية، عسكرية كانت أم ثقافية.