وأيضاً ففتح المسلمين للعالم كان بدافع حضاري فريد، لقد كانوا يعدون أنفسهم أصحاب رسالة عالمية موجهة للناس كافة، كُلِّفوا هم بتبليغها إليهم بالوسائل السلمية، والذين كانوا من المسلمين يهاجرون إلى البلاد الأخرى بعضهم هاجر لدعوة الناس إلى الدين الحق, وكثير منهم إنما هاجر طلباً للرزق، وكانت مهمة الشهادة على الناس, وتبليغهم الإسلام ماثلة أمامهم، فأثروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً, ونقلوا إليها دينهم وأخلاقهم وقيمهم ولغتهم، ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب استعمارية, ولمصالح اقتصادية، وقائم على التعصب العنصري، وكان الغربيون أيضاً يرون أن لهم رسالة أخرى وهي: أن يجعلوا العالم نصرانياً، يكفر بالدين الحق الذي اختاره الله - تعالى- للبشرية.
ومما سبق تظهر الاختلافات جلية بين مفهوم"عالمية الإسلام"ومفهوم"العولمة"، فبينما تقوم الأولى (عالمية الإسلام) على رد العالمية لعالمية الجنس البشري، والقيم المطلقة، وتحترم خصوصيته، وتفرد الشعوب والثقافات المحلية، ترتكز الثانية (العولمة) : على عملية نفي أو استبعاد لثقافات الأمم والشعوب، ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية، وتهدف عبر العولمة لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر.
ويؤكد الدكتور محسن عبد الحميد - أستاذ التربية بجامعة بغداد - على وجود فرق كبير بين المصطلحين (العالمية والعولمة) فيقول: (إن أبناء هذا العالم بمختلف قبائله وشعوبه ولغاته وملله ونحله يعيشون على هذه الأرض، ولذا فلا بد أن يتفاهموا فيما بينهم تمهيداً للتعاون الدائم على خير الجميع، ولا مانع من أن يأخذ بعضُهم من بعضٍ، ولا يجوز أن يفرض وبالإكراه بعضُهم على بعضٍ لغته أو دينه أو مبادئه أو موازينه، فالاختلاف في هذا الإطار طبيعي جداً، والتعاون ضروري أبداً لمنع الصدام والحروب والعدوان، ويضيف: إن تاريخ البشرية عامة وتاريخ الإسلام خاصة لم يرد فيه دليلٌ على أن المسلمين خطُّوا للبشرية طريقاً واحداً، ووجهة واحدة، وحكماً واحداً، ونظاماً وحداً، وعالماً واحداً، بقيادة واحدة، ليس بالإجبار والإكراه، بل اعترفوا بواقع الأديان واللغات والقوميات، وعاملوها معاملة كريمة، بلا خداع ولا سفه ولا طعن من الخلف، ولذلك عاش في المجتمع الإسلامي من أهل الملل الأخرى من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس وغيرهم بأمان واطمئنان، وأما الأمم التي كانت تعيش خارج العالم الإسلامي فقد عقدت الدولة الإسلامية معها مواثيق ومعاهدات في قضايا الحياة المتنوعة، والتوجيه الأساس في بناء العلاقات الدولية في الإسلام قوله تعالى:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 11.
وأما العولمة التي هي الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية (GLOBALIZATION) فهي مصطلح يعني جعل العالم عالماً واحداً، مُوجَّهاً توجيهاً واحداً في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تُسمَّى"الكونية"أو"الكوكبة".
(د) هل العولمة مرفوضة؟
مما سبق من تعريف العولمة يتضح أنها محو لوجود الآخر المعنويِّ ثم الماديِّ، ولخصوصية الآخر، ولذلك سَمَّى بعضُهم (العولمة) بـ (الأمركة) ، لأنها محاولة لمسخ الأطراف الأخرى إلى قرود وببغاوات أمريكية لا تعرف إلا كلمة (نعم) ، وكل ما جاء من أمريكا فهو خير محض لا تشوبه شائبة، وكل ما دعا إلى تميز بدين أو قيم فهو مرفوض، ومن فضل الله علينا وعلى الناس أن الأدلة على خطورة العولمة كثيرة وواضحة لا تخفى إلا على عُمي البصيرة، ومنها:
1 ـ أن أي عاقل يتأمل في التعريف الذي قدمناه للعولمة لا يتردد في معرفة خطورتها أدنى تردد.