فهرس الكتاب

الصفحة 3968 من 27364

ويقول أحد الكتاب الفرنسيين عن النظام الرأسمالي الأمريكي: فكلما ازداد هذا النظام الرأسمالي الجشع إمعانًا وانتشارًا بالعو لمة، ازدادت الانتفاضات والحروب العرقية والقبلية والعنصرية والدينية للتفتيش عن الهوية القومية في المستقبل. وكلما تَفَشَّت المعلوماتية والأجهزة التلفزيونية والسلكية واللاسلكية، تكبلت الأيدي بقيود العبودية، وازدادت مظاهر الوحدة والانعزال والخوف والهلع دون عائلة ولا قبيلة ولا وطن. وكلما ازداد معدل الحياة سوف تزداد وسائل القتل، وكلما ازدادت وسائل الرفاهية سوف تزداد أكثر فأكثر جرائم البربرية والعبودية (13) .

وإذا رجعنا فألقينا نظرة على دراسات المفكرين العرب عن العولمة نجد أنهم جميعًا يعرفون العولمة في إطار المقولات الآتية التي تلتقي على بيان حقيقة واحدة.

يقول الدكتور حسن حنفي:"العولمة لصالح الآخر على حساب الأنا (أي الذات) وقوة الآخر في مقابل ضعف الأنا وتوحيد الآخر في مقابل تفتيت الأنا" (14) . ويقول:"هي حضارة المركز (أي حضارة الدول الغربية التي لقوتها تقع في مركز العالم وبقية الدول هوامش تابعة) وتبعية الآخر (أي الدول غير الغربية غير الصناعية التي يصطلح على تسميتها دول الجنوب) ، وهي مركزية دفينة في الوعي الأوربي تقدم على عنصرية عرقية، وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة" (15) .

ويقول الدكتور سيار الجميل: إنها عملية اختراق كبرى للإنسان وتفكيره، وللذهنيات وتراكيبها، وللمجتمعات وأنساقها، وللدول وكياناتها، وللجغرافيا ومجالاتها، وللاقتصاديات وحركاتها، وللثقافات وهوياتها، وللإعلاميات وتداعياتها (16) .

ويشبه الدكتور نجيب غزاوي إمبراطورية العولمة بالإمبراطوريات التي سادت في العصر الأخير فيقول: الإمبراطورية التي عمدت على فرض مبادئها ونظمها في الحكم وأنماط حياتها السياسية والاجتماعية والثقافية بالقوة وكذلك حال الإمبراطوريات الحديثة، مثل: بريطانيا في مستعمراتها ثم في الكومنولث، وفرنسا في مستعمراتها ثم الفرانكفونية. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية برزت عولمة الشيوعية متمثلة بالاتحاد السوفيتي وعولمته (17) .

وأما الدكتور مصطفى محمود فيقول:"العولمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ الوطن من وطنيته وقوميته وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي، بحيث لا يبقى منه إلاّ خادم للقوى الكبرى (18) ."

والعولمة عند الدكتور محمد عابد الجابري تستهدف ثلاثة كيانات، الدولة والأمة والوطن، ويسميها أيضاً بثقافة الاختراق، اختراق مقدسات الأمم والشعوب في لغاتها ودولها وأوطانها وأديانها (19) .

وتنتهي الدكتورة نعيمة شومان إلى أنه في ظل العولمة"تسلم البلاد الفقيرة لا إلى فقدان الاستقلال السياسي وإنما إلى العبودية، فكأن البلدان مدينة وكافة البلدان متوقفة عن تسديد الديون ولا تملك الخيار أو الرفض للمشاريع المعروضة عليها (20) ."

ويُجمع أطراف الندوة التي كانت بعنوان: طوفان العولمة واقتصادياتنا المسلمة والتي نشرت في مجلة البيان على هذه المعاني التي مرت والخطورة الكبيرة للعولمة على اقتصاديات العالم الإسلامي خاصة (21) .

وأخيرًا يعرف محمد فهيم يوسف العولمة بأنها"الغرض الانفرادي لفهم يستند إلى مرجعية تخص حضارة معينة، باعتباره المفهوم الأسمى لحقوق الإنسان الذي ينبغي أن يسود العالم" (22) .

لقد سقت آراء مفكرين، غربيين وعربًا درسوا العولمة دراسة علمية شاملة، من أجل أن أقول للقارئ بأن قضية العولمة ليست مسألة آراء فردية مناهضة، وإنما اتفاق الرأي العام العلمي المنصف على حقيقة العولمة وآفاقها، لظهورها ووضوحها ونتائجها التي شملت الكرة الأرضية، من دون أن يكون هنالك أدنى شك في المقولات المقررة حول حقيقة العولمة وطبيعتها المستغِلة المهيمنة. والدليل على ذلك النتائج الرهيبة التي بدأت تظهر في العالم أجمع والتي يجمع عليها الباحثون أيضًا. ومن هذه النتائج:

أولاً: لقد قضى حوار الشمال والجنوب نحبه، كما قضى نحبه صراع الشرق والغرب. فقد أسلمت فكرة التطور الاقتصادي الروح، فلم تعد هنالك لغة مشتركة، بل لم يعد هناك قاموس مشترك لتسمية المشكلات. فالمصطلحات من قبيل الجنوب والشمال والعالم الثالث والتحرر لم يبق لها معنى (23) .

ثانياً: من وجهة مُنظري العولمة: إن المجتمعات العاجزة عن إنتاج غذائها أو شرائها بعائد صادراتها الصناعية مثلاً، لا تستحق البقاء وهي عبء على البشرية أو على الاقتصاد العالمي يمكن أن يعرقل نموها الذي يحكمه قانون البقاء للأصلح. ولذلك يجب إسقاطها من الحساب. ولا ضرورة بالتالي لوقوف حروبها الأهلية أو مساعدتها أو نجدتها (24) .

ثالثاً: عاد الاستعمار الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي من جديد في صورة العولمة بالاقتصاد الحر واتفاقية الجات والمنافسة والربح، والعالم قرية واحدة، والتبعية السياسية، وتجاوز الدولة القومية، ونشر القيم الاستهلاكية، مع الجنس والعنف والجريمة المنظمة (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت