فهرس الكتاب

الصفحة 21798 من 27364

أما في بلداننا، فالديموقراطية تعتبر زيادة في الكفر، كونها جاءت بعد ترك حكم الله تعالى، الذي يعتبر كفراً في حد ذاته {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44] ، واتخاذ دين جديد مكانه، هذا على مستوى تغليظ العقوبة من الوجهة الشرعية. أما من ناحية التطبيق العملي لهذه الديموقراطية، فهناك تحريف لها وتشويه كبير، حيث أنه منذ بداية العملية الانتخابية، ترى التزوير والخداع والغش والتلبيس على الناس، لتنصيب أشخاص أو اتجاهات سياسية معينة سلفاً من قبل السلطة العليا في البلاد (هذه السلطة العليا لا تتبدل ولا تتغير، وتتمثل أساساً في الملك أو الأمير أو الرئيس ومستشاريه بالإضافة إلى المؤسسات العسكرية والقمعية والمخابراتية التي تبقى في أيدي هذه السلطة العليا تتحكم فيها وتضمن ولاءها المطلق في كل حين) . أما من يفوز بالمقاعد المعدودة للمؤسسة التشريعية، فيكون خليطاً من التوجهات السياسية المتناقضة، يصعب عليهم الاتفاق على موضوع واحد فضلاً عن المشاركة في تسيير حكومة موحدة، ولكن في بلداننا هناك ديموقراطية من نوع آخر، وتسمى الديموقراطية الملكية أو الرئيسية أو الأميرية، بمعنى أن هؤلاء الثلاثة هم الذين يقسمون المقاعد على كل حزب وفق ما يرونه مناسباً لمصالحهم هم، ثم يختارون رئيس الحكومة بأنفسهم، ويختارون بعد ذلك بقية أعضاء الحكومة، لتكون حكومة مشلولة وعاجزة عن تنفيذ أدنى برنامج نظري، وتظل السيادة الحقيقية بأيدي هذه السلطة العليا، التي تشكل حكومة الظل المتنفذة في البلاد، أحب من أحب وكره من كره، وما زوبعة الانتخابات التي تقام في بلداننا إلا ذر للرماد في عيون الغافلين.

أما في بلدان الكفر الأصلي فهي لا تعدو أن تكون هي الأخرى ألعوبة تتلهى بها الشعوب ويستغلها الساسة لتحقيق مآربهم وترسيخ نوع من الديكتاتورية أو رأي الحزب أو ما يسمى برأي بالأغلبية باسم الديموقراطية. ذلك أن الحزب الغالب هو الذي يفرض سياسته ومذهبه رغماً على أنف الجميع، على الأقل خلال فترة حكمه.

إن الديموقراطية لا تعدو أن تكون غطاء وقفازاً من حرير يخفي قبضة حديدية، يمارس بها النظام الحاكم شتى أنواع البطش والاستغلال والإفساد، ولا يجرؤ أحد من عبيد هذا الدين الجديد أن ينقدها أو يثور عليها حتى وإن لقي في سبيل ذلك الضرر والعنت، فالديموقراطية في نظرهم خيار لا رجعة فيه، ودين يستحق التضحية والفداء، ولا بأس من تفويت مصالح ما دام ذلك يرضي أهواء الأغلبية.

هذا بوجه عام الصورة الحقيقية للديموقراطية في بلداننا وبلدانهم، وهذه هي بعض الأسس التي تقوم عليها وبعض المقدسات التي لا يجوز الخروج عليها بأي حال من الأحوال.

الديموقراطية والتيارات الإسلامية ؛

لقد انقسم التيار الإسلامي - فيما يخص الموقف من الديموقراطية - إلى قسمين رئيسيين:

الأول: اعتبرها وسيلة"حضارية"لتحقيق مصالح الدعوة عن طريق الدخول في الميدان السياسي، ولا تتناقض مع الدين في نظره، ما دام ممارسوها يحترمون قواعد اللعبة، ولا يقودهم ذلك إلى التبرؤ علنياً من دينهم، فبالنسبة لهذا التيار، تعتبر الديموقراطية وسيلة فعالة لنشر الدين ومعالم الدعوة في المجتمع، ومزاحمة الأطراف المعادية للوصول إلى قلوب الناس والتأثير فيهم عبر القنوات السياسية والمنابر الاجتماعية، خاصة المنبر العاجي:"مجلس التشريع"، ولم لا بالنسبة لهم، محاولة الفوز ببعض المناصب الحكومية. ولقد راجت هذه النظرية ولاقت إعجاباً وقبولاً واسعاً في بعض الأقطار التي صارت تحت حكم المرتدين وأهلها مسلمون - وكل بلداننا تدخل تحت هذا المسمى - ، قلت: لقد دخل هذا التيار بقوة في ساحة العمل السياسي، تحت عباءات مختلفة، خاصة عبر جسر ما أسموه بالتحالف السياسي مع بعض الأحزاب المعترف بها من قبل الأنظمة الحاكمة. [2]

والبعض الآخر اضطر إلى تغيير اسمه، وإزالة كل ما هو إسلامي - ظاهراً وباطناً - ليلقى القبول من لدن الأنظمة الحاكمة، وليشارك في هذه اللعبة السياسية إلى جانب بقية الأحزاب القائمة - وأغلبها مرتدة -. [3]

والبعض الآخر أراد أن يبقي على جوهر الإسلام ويرفع شعاراته وادعاء الخضوع لتعاليمه فيما يتعلق بالمجالات الأخرى غير السياسية، وفي الوقت ذاته يرضى بحكم الطاغوت فيما يتعلق بالجانب السياسي، وهي معادلة يستحيل على المرء تحقيقها، إذ كيف يمكن للمسلم أن يجمع بين النقيضين في آن واحد، خاصة إذا تعلق الأمر بمسائل الحكم والتشريع. فإما حكم الله وإما حكم الطاغوت، فليس بينهما التقاء {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَل} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت