وفي نهاية المطاف نرى تورط هذه الجماعات وسقوطها في فخ العدو، الذي يريد أن يصل إلى ضبط الساحة والتحكم في كل الخيوط، حتى تكون جميع الأطراف المتحركة في ساحة العمل السياسي بعامة وفي ساحة العمل الإسلامي بخاصة، تحت مجهره، لكي يضبط كل حركاتها وسكناتها، هذا بالإضافة إلى المكاسب الكبيرة التي تحصل عليها الأنظمة الحاكمة من جراء التنازلات المتواصلة لهذه الجماعات، حتى لقد أصبح الكثير منها جزء من الكيان السياسي، وطرفا مباشر في الحكم والتشريع ، - وفق أسس الديموقراطية - حتى وإن كانت في موقع المعارضة الصورية - كما يزعمون- .
فنحن نعلم أن الديموقراطية لا قيمة لها ولا معنى بدون ما يسمى بالمعارضة، فسواء كانت هذه الجماعات طرفاً مباشراً في الحكم أو طرفاً من المعارضة، فهي من الناحية الشرعية آثمة بمشاركتها في الحكم والتشريع. بمجرد جلوسها في هذه المجالس التشريعية حيث الأغلبية تكون دائماً للمرتدين وكلمة الفصل لهم في جميع القرارات والتشريعات {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء 140] .
إن الديموقراطية وسيلة ناجعة لهذه الأنظمة الحاكمة ولأسيادهم الكفار، لإدخال هذه الجماعات في حظيرة الجمود أو التيه، وتجريدها من كل عناصر المقاومة والقوة، بل توريطها في مسلسل الحكم لتغرق في متاهات لا أول لها ولا آخر، وتتحول إلى مجموعة من الدجالين السياسيين، يقولون فلا يفعلون، ويَعِدُون فلا يُوفُون، لا لشيء إلا بسبب غياب الوسائل وعدم امتلاك زمام الأمور.
وهكذا تتحول الديموقراطية إلى ورطة حقيقية ومأزق محرج لهذه الجماعات، فينقلب سحرها عليها، وتؤتى من الجهة التي كانت تظن أنها الوسيلة الأنجع والأسلم والأسرع لتحقيق مآربها وأهدافها الشرعية. ويأبى الله إلا أن يبين لهؤلاء أن طريق الحق أرفع وأشرف وأسمى من هذه السفاسف، طريق لابد فيه من بلاء وعنت وتضحية وفداء، بالغالي والنفيس، بل بأغلى ما يملكه البشر {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 111] .
والأغرب من هذا كله، أننا نجد بعضاً من هذه الجماعات تقاتل في سبيل هذه الديموقراطية وفي سبيل ترسيخها وجعلها الحَكَمُ بينها وبين الشعوب، بدلاً من القتال في سبيل الله وإحقاق الحق عن طريق الجهاد. [4]
كما رأينا بعض الجماعات التي كانت تُحسب على التيار الثاني الرافض للديموقراطية، يغازل الأنظمة المرتدة ويراجع مبادئه ومناهجه، فيلمح بضرورة المشاركة في المسار السياسي، وتغيير الموقف من أركان هذا النظام المرتد، بدءأً من عدم تكفير الحكام الذي يشرعون ويحكمون بغير ما أنزل الله، وضرورة المشاركة معهم بل واعتبارهم ولاة أمور شرعيين للمسلمين، ينبغي طاعتهم والتعاون معهم. [5]
أما التيار الإسلامي الثاني: فهو الذي يعتبر الديموقراطية ديناً مناقضاً ومحارباً لدين الله تعالى، وفَهِمَ أبعاد هذه اللعبة القذرة، فلم يلهث وراء سرابها، وسلك الطريق الأصوب في بلوغ الغاية وتحقيق الأهداف الشرعية، طريق الكفر بالطاغوت وبألاعيبه، والإيمان بالله تعالى وبأوامره المقدسة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [الأنفال 39] .
فلم تنطل عليه اللعبة، ولم يعط الفرصة لهؤلاء الطواغيت لمعرفة مكامن قوته ومواطن ضعفه، بل عمد إلى أسلوب الكر والفر، وإلى الإعداد الحقيقي بعيداً عن أعين هؤلاء الأعداء، ونجح في كبح جماح هواه للحصول على فتات السلطة وأوهامها مقابل التنازل ولو عن مثقال ذرة من مبادئه، ففهم قوله تعالى في شأن هؤلاء الأعداء {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} [القلم 9] ، بل إنه سارع إلى قطع كل الحبال الشيطانية التي ستؤدي به يوماً ما أو في لحظة من اللحظات إلى مجرد القعود معهم لمناقشة هذا الأمر فضلاً عن المشاركة فيه والانغماس في فتنه حتى النخاع. و {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [الجمعة 4] .¨
[عن مجلة الانصار]
1 -انظر على سبيل المثال لا الحصر:"الديموقراطية دين"الشيخ أبو محمد عاصم المقدسي ،"هذه هي الديموقراطية، فهل أنتم منتهون"للشيخ أبي بصير عبد المنعم حليمة…
2 -تبرز حركة"الإخوان المسلمون"في مصر، كأهم مثال في هذا المجال.
3 -انظر على سبيل المثال ما حصل في تونس وتركيا والجزائر والمغرب.