فهرس الكتاب

الصفحة 25771 من 27364

الناقد الدكتور عبدالله الغذامي يصف لنا معالم هذا التغير فيقول:"هذا تغير عالمي كوني يحدث للثقافة البشرية حيث تتولى الصورة رسم المعاني و تغيير المصطلحات. و سوف نرى كيف صار معنى الإرهاب معنى معجمياً مركزياً في ثقافة الصورة، و كيف صار يقود الفكر البشري بوصفه المعنى المركزي الأقوى و الأهم، ليس سياسياً فحسب بل ثقافياً و اجتماعياً و نفسياً، و في كل مناحي الحياة البشرية التي تسيطر عليها ثقافة الصورة و تحتوي كل وسائل التواصل فيه." (الثقافة التلفزيونية ص 168) . و نحن نجد اليوم أن التاريخ يعيد نفسه، و لعبة"الصورة"تتكرر بنفس الطريقة تماماً، فتفرض نفسها كنص ثقافي يحتكر"كل شيء".

طبعا لا يمكن أن نعتبر هذا التحول الثقافي تحولاً محموداً بأي حال من الأحوال، بل هو أمر خطير للغاية، فقد أصبحت الأمور أقرب إلى البدائية من ناحية التحليل؛ إذ كيف يمكن أن نجعل حدثا عابراً سريعاً هو المدخل الأساس الوحيد لتفسير و حسم"كل شيء"، بل و على إعادة قراءة كل التاريخ في"لحظات"؟! و نحن إن كنا أحيانا غير قادرين على تحديد دور العقائد و الأيدلوجيات في صناعة بعض الأحداث، فإن بعض مفكرينا نبه كثيراً عن دور الأحداث في صياغة العقائد و تحريف المفاهيم. و هذا الأمر بلغ أوجه مع الأحداث المتصاحبة مع"صورة"بهذه الإمكانيات و الشروط. و هذا الاضطراب في المشهد الثقافي الذي تسببه مثل هذه"الصور"هو ما دفع مفكرين كبار مثل نعوم تشومسكي و إدوارد سعيد و غيرهم إلى التنبيه على خطورة هذا الأمر، و قامت بعض دراساتهم على نقد الخطاب الإعلامي السياسي و البحث في استخدامه كوسيلة تخدم خطاباً ثقافياً واعياً"مضاداً".

القريبون من الوسط الأكاديمي المعني بالنقد الثقافي، يعرفون أن الدراسات النقدية لـ"ثقافة الصورة"حظيت بعناية فائقة و أصبحت محركاً أساسياً لكثير من القضايا السياسية و الثقافية و الاقتصادية. و حين نتأمل في واقع"صورة"الإعدام, و ما تحمله من ثقل في العناصر الثقافية، يصعب علينا أن نصدق أن البث أو التسريب كان"عفوياً". فقد وجدنا بعض مفكرينا و علمائنا الأفاضل يصفها بذلك، و بعضهم أصر أن ما حدث هو دليل على سياسة ساذجة غبية. و لا يمكن التسليم أبداً لهذه اليقينية، فأي نظرة فاحصة على ما أحدثته من اضطراب على المشهد الثقافي و السياسي يدل على عكس هذا التصور الشائع تماماً.

مظاهر الاضطراب التي حدثت على السطح، أوهمت البعض أن الأمر عبثي بحت، لكن الحقيقة تقول إن"الصورة"-بكل ما تحمله من عبقرية- جاءت لتحرك الجميع في مسارات محددة و بطريقة منظمة للغاية. فالحكومة العراقية تلقت الكثير من البيانات السياسية من دول كبرى -بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية- التي تستنكر ما جرى، و جاء الإجماع على اعتباره تصرفاً بشعاً غير قانوني. و هذا يعني أن الحكومة العراقية قد وضعت حبل الإدانة حول عنقها، و ستكون"الصورة"دليلاً قانونياً يحرك أي معارضة -رسمية أو غير رسمية- متى ما حادت عن المسارات المرسومة لها. و هذه مجرد نسخة طبق الأصل في حقيقتها لمسلسل سقوط صدام حسين. و أعمق بوادر تأسيس هذه الإدانة ظهر من الوسط الثقافي الأمريكي نفسه، و بقلم توماس فريدمان المحلل السياسي المشهور حينما سجل بدهاء كعادته ما يلي:"وإذا كان من قدر السجناء في عهد صدام حسين، أن يتعرضوا للسخرية والهزء وسوء المعاملة حتى لحظات موتهم الأخيرة، فإن أكثر ما يثير التبرم والضيق من صور الفيديو التي بُثّت عن إعدام صدام، عقاباً له على هذا النوع من الجرائم بالذات، هي أنها تعيد إلى الأذهان ذكريات ذات السلوك الذي جرت محاكمته"!، و لنضع ألف خط تحت عبارتي"هذا النوع من الجرائم بالذات"و"السلوك الذي جرت محاكمته".

هناك من يستغرب بعض المتناقضات الموجودة على الشرق الأوسط، فهو يجد في"مشهد"الإعدام تدخلاً إيرانياً في الشؤون الرسمية العراقية. و هذا يتناقض مع دعوى أخرى تقول إن أمر الإدارة كله بيد الأمريكان، فيفسر كل ما يحدث بأنه مجرد مؤامرة مشتركة ضد العرب. لكن هذا الموقف فيه من التبسيط الشيء الكثير؛ فالحروب و وجود مثل هذه التوترات بين إيران و إدارة المحافظين الجدد بقيادة بوش لا يمكن أن يقطع الكثير من الحوارات الدبلوماسية التي لا نراها، و التي لا تشترك فيها إلاّ الأطراف القوية المؤهلة. و لا نحتاج الكثير من الذكاء لنكتشف المصالح التي قد يحققها أي طرف استطاع استغلال"الصورة"لمصلحته، مهما كانت هناك بوادر تنازل أو انهزامية على السطح. و هناك مجموعة يبقى دورها محصور في طريقة استجابتها, فهي ليست عناصر محركة للحدث، و يمكن أن نقول إن كل أطراف المشهد الثقافي العربي -الليبرالية قبل الإسلامية- مؤدلجة لحد"العماء"و يمكن توظيفها ضد أي طرف بسهولة شديدة، و هذا ما حصل!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت