و لذلك فهذه القضية ستكون من أهم أهدافها هو ضبط المسارات، فنحن لا نعتقد أن حكاية"صورة"صدام قد انتهت خصوصاً بعد أن تم تسريب المقطع الثاني. فقد كان الرجل مادة دسمة للتصوير استمرت شهوراً طويلة لا يمكن أن يغفل عنها من يدرك طاقتها الاستيعابية و التغييرية و الإلغائية. و لذلك يجب أن نتوقع أن هناك جهات معينة -قد تكون مختلفة- تحتفظ بمثل هذه المقاطع، على أن تقوم بعرض بعضها و التعتيم على البعض الآخر بناء على ما تؤول إليه الأمور. و لعل هناك أسماء كبيرة لها ثقلها على الساحة -دينية أو غير دينية- قد تم تصويرها بطريقة ما مستغلة عاطفتها و نزعتها في الثأر بلا عقلانية لتتحكم فيها و تحدد مساراتها فيما بعد. و على كل حال، فالاحتمالات كثيرة، و سيظل الحديث حول هذا الأمر في إطار الظني. و لا أعتقد أن إطالة الجدل حول مثل هذه التنبؤات سيقود لكثير من الحسميات.
لكن - و من وجهة نظري الخاصة- أخطر تعبات هذا الحدث، و الذي هو في إطار القطعي، يتعلق بذلك"النفق"الذي حدد مساراً وحيداً ضيقاً لقطار المشهد الثقافي. فـ"الصورة"ستكون هي المعتمد الأول و الأساسي في تشكيل كل ما يتعلق بمفاهيم ثقافية حساسة مثل"الطائفية"و"التطرف"و"الشهادة"و"الشجاعة"الخ، فتاريخ الثقافة و منتجاتها كلها سيتم تشريحها عن طريق هذا المقطع, ليتم استبعاد كل شيء خارج"منطق""صورة"لا تتعدى دقيقتين!! و كأننا فعلاً قررنا أن نركب قطاراً يمكن أن يزودنا بمسار محدد في هذا"النفق"المظلم. و هذا الظلام يعكس حالة الاستبعاد التي تعيشها منتجاتنا الثقافية التقليدية، و التي كانت كمصابيح يمكن أن تساعدنا للسير و اختيار المسارات نحو المخرج الصحيح.
فهل معنى هذا أن نستسلم للأمر الواقع و نخضع لاستعباد الصورة؟
لا أؤمن أن هناك أزمة محددة لا يوجد فيها أبواب مفتوحة. و الاستغراق في تصوير الجوانب الظلامية و السلبية أحدث اضطهاداً لمفهوم عميق، عانى من إساءتنا الشيء الكثير، و هو"الوعي بالواقع". فالوعي بالواقع هو في حقيقته تحديد المسارات الإيجابية و مناطق التحرك و البحث في كيفية توسيعها و استثمارها مهما كانت الأزمة كبيرة. و لا يوجد أبداً أي سبب أو ظرف يمنع من تفعيل طرق البناء و الإيجابية مهما كانت محدودة، و ما أعظم ما قاله الرسول عليه الصلاة و السلام:"إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" (صححه الألباني) .
و أكبر جوانب نقص الوعي بالواقع و التي ضل الناس فيها، و انقسموا على مذاهب شتى، هو"الوعي"بالسياق الثقافي و التاريخي و الحضاري لهذه الأمة. و هذا الوعي يقتضي أن تعترف الأمة أنه لا عزة لها إلاّ بدينها, و أنه يجب أن يقود الواقع بكل بتفاصيله و كلياته. و هذا يحتاج إلى حركات إصلاحية تعيد النظر في الخطاب الديني ليستعيد -منطلقاً من أصالته- شيئا من الفعالية التي خسرها خلال القرون الماضية كما هو بتعبير مالك بن نبي رحمه الله تعالى. و تجديد الخطاب الديني يجب أن يكون شمولياً، فيهتم بما يتعلق بشؤون الحياة العامة، و لا يغفل عن تصحيح العقائد و التي تعيش حالة مضطربة جداً للأسف. و قد وصل الكثير من المفكرين الغربيين غير المسلمين إلى ضرورة التعامل مع محيط الشرق الأوسط كمنطقة لها سياق حضاري إسلامي بحت، فكل محاولة لتعميق الفجوة بين هذه الأمة و سياقها الثقافي و الحضاري فلن يحقق مكاسب طويلة المدى بأي حال.
و من"الوعي بالواقع"أن تكون قراءتنا في"ثقافة الصورة"قراءة كاملة من كل الجوانب حتى نحدد الإطارات الإيجابية للحركة؛ فـ"ثقافة الصورة"تبقى في النهاية محايدة، لكنها لا تخدم إلاّ مريديها فقط. و أبرز الجوانب الإيجابية للـ"صورة"أنها مادة كاشفة عن الأنساق الثقافية و حركة هذه الأنساق و طرائق تعبيرها عن نفسها. و هذا يعني أن لدينا الآن وسيلة جديدة مهمة للغاية للتعرف عن الذات المثقفة و الشخصية الثقافية و التعرف على عيوبها الخطابية و النسقية. فالصورة أصبحت محور كثير من الدراسات الثقافية، و الناقد الثقافي يظل يترقب مثل هذه الأحداث و هذه الصور العمومية ليستفيد من ردود الأفعال في قراءة المجتمع بطريقة صحيحة.
و هذه نقلة مهمة في مسيرة النقد الثقافي، فالاهتمام أصبح متزايداً في نقد"المستهلك الثقافي"-كالصورة مثلاً- وردود الأفعال أثناء عملية الاستهلاك و الاستقبال الجماهيري على حساب الاهتمام في نقد الثقافة أو دراستها. و هذا تحول مهم يكشف لنا مقدار التباين بين الفعل الواعي الذي يفترض أنه يمثلنا في الحقيقة و بين ما تصنعه المضمرات النسقية.