و هذا يجعلنا أمام أمرين، فإما أن نخضع لهذه الصورة و ما ستفرضه علينا ثقافياً من تأويلات محددة، فيكون التحرر من تبعات هذه التأويلات في المستقبل شبه مستحيل. و إما أن نسلط النقد على ردود أفعالنا و نبحث عن عيوب الخطاب الثقافي عموماً، فتكون حينها"الصورة"مدخلاً تاريخياً و فرصة نادرة في إعادة تصحيح الأمور بطريقة علمية سليمة ستضمن لنا قاعدة متميزة يمكن أن تؤهلنا لخوض المراحل القادمة من مسيرة الانطلاق الحضاري بكل قوة و نجاح. و هذا أمر يفرض على علمائنا و مفكرينا الجدية الكاملة في تلقي مثل هذا الأمر، خصوصاً أن الجماهير أصبحت لها سلطة عميقة على الخطاب الثقافي و تتأثر كثيراً بالمخرجات المبسطة لهذه الصورة. و سنستخدم الصورة، لنقف الآن على مجموعة من العيوب الموجودة في المشهد الثقافي.
(1) كانت فترة حكم الرئيس صدام حسين قد جرت العراق للكثير من المهالك، و بلغت الأدلة درجة التواتر فيما يدل على ذلك الواقع السيئ، و قد كان في داخل كل عراقي رغبة شديدة في تحرير العراق من هيمنته و ظلمه حتى يتغير الحال نحو الأفضل.
و بغض النظر عن الطريقة التي تم فيها إسقاط النظام العراقي السابق، فإن لغة الأرقام تدل على أن النتائج لم ترق لطموح الشعب, فالتغيير قد جره لمهالك جديدة. و هذا الذي حدث مجرد انعكاس لـ"نسقية المعارضة"كما يسميها الدكتور الغذامي. فالجانب النسقي من المعارضة في التاريخ تعني أن المعارضة هي صورة أخرى من المهيمن و الجميع يشتركون في السمات و السلوكيات و لن تكون"ثقافة المعارضة"إلا من خلال إزاحة نظام و إحلال نظام لا يختلف عن السالف من حيث الفعل و المسلك.
و الذي حدث الآن ليس خروجاً عن السياق التاريخي، فالعباسيون -مثلاً- قاموا بشن معارضة سياسية ضد الأمويين بدعوى ظلم بين أمية و تجاوزهم، غير أن العباسيين و هم يقومون بمعارضة ينتهون إلى نهاية نسقية، و يقدمون أمثلة كالسفاح الذي اكتسب اسمه من كثرة سفكه للدماء لدرجة وصلت إلى قتل قائد جيشه أبي مسلم الخرساني. و هذه"النسقية"في المعارضة ليست محصورة في الجانب السياسي فقط، فهي تشمل أيضاً"المعارضة الثقافية"، و قد نقل المسعودي في مروج الذهب أن المأمون بلغ به الحال أن أعلن البراءة من كل من يذكر اسم معاوية -رضي الله عنه- بخير، كما أننا نعرف قضية المأمون مع الاعتزال. ثم نجد على جانب آخر أن كل المعارضات التي واجهت بني العباس كانت دموية سياسية و إلغائية ثقافية، و هو ما يعكس صورة هذا العيب النسقي.
و عندما نقترب قليلاً، وننظر إلى حركات الثورات العربية الأخيرة، نجد أن الأمرنفسه يتكرر، و المشهد هو المشهد، فعندما تنتصر المعارضة تسقط الدعاوى و تكون صورة في هيمنتها و سلطويتها من النظام السابق مع بعض الإختلافات الشكلية. و ما كان صدام حسين مع عبدالكريم قاسم إلاّ مثالاً آخر مما يفعله المعارض مع المهيمن، حتى إذا أخذ المعارض السلطة ورث كل عيوب سلفه، و قد يكون أكثر كرماً فيضيف شيئاً من إبداعه.
و لذلك كان لا بد أن نتيقن أن صدام كان سيواجه نفس النهاية التي تواجه كل مهيمن في ثقافتنا، و قد سئل الدكتور الغذامي في مقابلة صحفية قديمة عن"المسافة التي تفصل بين القاتل و المقتول"، فأجاب بأن هذه المسافه هي"صدام حسين"، و لم يكن الغذامي يقرأ الكف حينها، لكنه كان يدرك تماما ثقافة المعارضة و نسقيتها التي لن تنفذ إعداما على صورة محاكمة قانونية، و لكنه حتما سيكون على صورة اغتيال سياسي مقاربة لتلك التي كان يشتهر بها صدام وقت حكمه. و لعل البعض مازال يتساءل عن بقية التفاصيل التي لم تبث في مشهد الإعدام، و عندها سنقول له -من خلال قراءتنا للعيب النسقي في المعارضة- إنها ستكون بنفس الطريقة التي كنا نسمعها عن اغتيالات صدام السابقة بدون حاجة لآلات تصويرية و مقاطع إضافية. فالجموع لا بد و أنها كانت تشاهد في لذة و تمارس كل أنواع التعذيب الجسدي و النفسي، لتكرر نفس المشاهد الصدامية دون أن يتغير شيء.
و لو استطردنا لنبحث في مجموعة أخرى من الأمثلة و النماذج للمعارضة السياسية أو الثقافية، فسنجد أننا سنصل إلى حقيقة واحدة، و هي أن المعارضة تقع في نفس الأشياء - و لو بعد حين- التي تنتقد بها كل مهيمن، مما يدل على عيوب نسقية ما زلنا نتوارثها -بلا وعي غالباً- فتعطل كل محاولة إصلاحية جادة في تحقيق مرادها.
(2) جاءت أمريكا إلى العراق و هي تحمل معها وعوداً بتحرير سريع و بناء دولة ديموقراطية تكون نموذجاً فريداً لبقية الدول في المنطقة. و كان و لا يزال الرئيس بوش يتكلم عن هذا الأمر من حين لآخر، و يستعين ببعض المثقفين و الخبراء السياسيين -من المحافظين الجدد خصوصاً- الذين كانوا يبشروننا بالنعيم الذي ينتظرنا، فالجيوش معها قيم و مبادئ هي كالمفاتيح السحرية لأبواب الجنة في هذه الدنيا.