فهرس الكتاب

الصفحة 25774 من 27364

و هذا التبشير ليس وليد اليوم. فمن ناحية العلاقة التاريخية، لا شك أن الخطاب الأمريكي الليبرالي كان مغريا، فقد أخذ زمناً طويلاً في ترسيخه عند بعض مثقفينا قبل حدوث مثل هذا النوع من المواجهات التي تكشف عن الأنساق المضمرة التي قد تزعزع الثقة به، والتي قد تتعارض مع ما هو معلن في اللحظات الحاسمة. و إذا عرفنا حالة القهر و التخلف التي تجتاح العالم العربي، نجد مبررات عديدة لحالة"العمى الثقافي"التي فرضت على بعضنا الاستعانة بأية مبادئ تعلن أنها قد تضعنا على مشارف انطلاقة حضارية شاملة. لكن"صورة"إعدام الرئيس صدام و أخواتها كانت فرصة نادرة لكشف الكثير من الأنساق المضمرة و عيوب الخطاب الثقافي الغربي عموماً و الأمريكي على وجه التحديد.

دعونا نعد سنوات قليلة للوراء، و نتذكر كيف هزت"الصورة"التي أظهرت تفجير بعض الإرهابيين لبرجي نيويورك أركان المشهد الثقافي بنفس الطريقة التي تكشف المضمر. فنجد أن الرئيس بوش في أول تصريح له يتحدث عن"حرب صليبية"و عن مصطلحات مثل"قوى الشر"و"الشيطان"، مما يدل أن الخطاب الثقافي الغربي لم يتحرر في مضمره من هذه الأنساق التي كان و مازال يتوارثها و كأنها جينات متنحية، لا تظهر إلاّ في اللحظات الحاسمة بشكل يجعلها تقصي كل ما سواها.

و حين ننتقل إلى"صورة"صدام حسين لنقرأ في ردود أفعال بعض المثقفين الغرب، يأتي توماس فريدمان ليكشف ما هو مضمر في مقاله الذي هو بعنوان:"إعدام صدام والبحث عن مخرج للمأزق العراقي"، و يعلنها صريحة و كأنه يرثي كل من اغتر بالنموذج الليبرالي الغربي الذي كان يبشر به دائماً، و ذلك حين ينقل عن مايكل ماندلباوم"أن الديموقراطية لا تنجح إلاّ حين يكون هناك اتفاق رئيس على المبادئ و الأصول، و في وسع الآخرين الذين يفتقدون إلى هذه المبادئ و القيم، أن يستوردوها منا إن شاؤوا، إلاّ أنه ليس في وسعنا تصديرها لهم بأي حال، ذلك أنه ليس بإمكاننا توفير السياق العام الذي يمكن للآخرين الاستيراد منه".

و بالطبع فإن فريدمان حينما يقول إن نجاح الديموقراطية يعتمد على الاتفاق الأساسي على المبادئ و الأصول، نجد أنه يجسد قناعته هذه في قبوله بالكثير من النماذج الديموقراطية التي تخالف النموذج الأمريكي كما هو الحال مع فرنسا و بريطانيا و إسرائيل. لكن سؤالنا الذي ننتظر إجابته من فريدمان: هل يمكن أن ينطلق من هذا الكلام ليبحث لنا عن نموذج النظام السياسي الوحيد الذي يتلاءم مع سياق أمتنا الثقافي و الحضاري العام؟ لا أعتقد أنه سيملك الشجاعة ليخبرنا عن النتيجة؛ فهو ضحية نسق ثقافي غربي متجذر يعتقد أن ثقافته بكل تفاصيلها قد بلغت النموذج الصالح لنهاية التاريخ لتكون ملائمة لكل الحضارات.

لقد ظهر لي أنه من المهم قراءة مقالات فريدمان -بالذات- التي تكون كردود أفعال مع مثل هذه الصور، و في كل مرة سيجد القارئ فيها شيئاً جديداً يكشف الكثير مما هو مضمر. فعندما تسربت صور تعذيب سجن أبو غريب، بادرنا بمقال قال فيه:"يجب على كل من أراد العمل في العراق أن يُجرى له امتحان، ويتألف هذا الامتحان من سؤال واحد: هل تعتقد أن أقصر مسافة بين نقطتين خط مستقيم؟ فإن أجاب بـ"نعم"، فلا ينبغي أن يعمل هناك، يستطيع أن يعمل في كوريا أو اليابان أو ألمانيا لكن ليس في العراق، فقط، أولئك الذين يفهمون أنه في الشرق الأوسط أقصر مسافة بين نقطتين، ليست أبدا خطا مستقيما ينبغي أن يعملوا هناك". و هي دعوة من فريدمان أو"صديق الليبرالين العرب"كما يسمونه -و لا شماتة-، تحث على تجريد السياسة الأمريكية في العراق من أية أخلاقيات أو إلتزامات كي تحقق ثماراتها.

و رحم الله المفكر مالك بن نبي حين قال لنا قبل عشرات السنين:"إن المستعمر لا يحمل فضائله خارج أرضه" (وجهة العالم الإسلامي) ، بل نجد أن مثل صورة أبو غريب تجعل علمانياً -عرف بتسويغه المبالغ للسياسيات الأمريكية- مثل فؤاد زكريا ليقول:"عليهم أن يعلموا أن الفضائل المتناثرة بين كاليفورنيا وفلوريدا، فضائل"لازمة"وغير"متعدية"للآخر!..أملتها ظروف تاريخية معينة واقتضتها"أخلاق الزبونية"التي تنتج الفضائل هناك. و ردة فعل زكريا تدين ثقافته من حيث لا يدري بأكثر من طريقة، و يا ليت قومي"يفهمون"!!"

و على الرغم من كل هذا، فمقالات توماس فريدمان كانت -و مازالت- تحظى باستقبال كبير من بعض صحفنا، و قد وجدت أن هذا الاستقبال لا يطفئ أضواءه و يغلق أبوابه إلاّ حين يرى مثل وجهي دون أن أفهم السبب! و على العموم, لا أملك شيئاً من تدبير الأمر معه، و لا القدرة على محاورته أو أخذ مقعده. لكن على أقل تقدير فأنا أمير نفسي، و يمكنني أن أرجع إلى غرفتي مساء اليوم لألقي كتابه الذي كلفني الكثير من الدولارات في مكانه المناسب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت