فهرس الكتاب

الصفحة 25775 من 27364

(3) صعد الشيخ يوسف القرضاوي منبره في جامع عمر بن الخطاب في قطر، ليتحدث عن قضية العراق و الفتنة الطائفية, متناولاً بعض ما ارتبط بمشهد إعدام صدام. و بعد أن استنكر كل ما جرى، طالب بلهجة حادة و بلغة صارمة المراجع الشيعية في العراق و إيران أن تحدد موقفها من هذه الجرائم، فـ"صمتها"سيكون دليل إدانة صريح ضدها. و في مشهد آخر كرر الشيخ القرضاوي مطالباته رجال الأديان الأخرى أن يوحّدوا كلمتهم ضد أي عدوان أو تطرف عالمي، لكنه دائماً ما يعاتب تخاذل الكثير منهم في بعض المواقف الحيوية.

و الشيخ القرضاوي كانت له مساعٍ كبيرة من أجل تحقيق مثل هذه الأهداف، و هو ينطلق من أساسيات صحيحة، فالرسول صلى الله عليه و سلم قال:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دُعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وأن لا يعد ظالم مظلوما". و لا نستطيع أن نقول إن هذا الحدث قد نُسخ بسبب العدوان, و أنه لا يمكن أن يُقام تحالف على مثل هذا في غير ذلك الزمان. و نحن نعلم أنه بالرغم من بعض الأحداث التاريخية التي حفلت بمواجهات دموية مع الشيعة أو مع غيرهم، إلاّ أن حالات السلم و التعايش كانت أكثر، كما أن أغلب ما يحفل به تراث الملل و النحل عموماً هو الوقوف ضد هذه الممارسات العدوانية. فإذا كان الحال على هذا النحو، فما هي الحلقة المفقودة في كل هذه القضية و التي تفسر"الصمت"الشائع؟

المسألة لها علاقة بالوظيفة الثقافية للكلام، و ما يرتبط بها من بعد سياسي و اجتماعي. و نشوء مثل هذه الرابطة يعني أنها ستخضع لجملة"قوانين نسقية"رسختها الأيام في كل نظام اجتماعي دون نقد كاف. فكل جماعة تعين من يكون صوتاً لها و يتولى وظيفة الكلام باسم هذه الجماعة -أي جماعة- بناء على مؤهلات أو ظروف معينة، و الذي لا تفوضه الجماعة للحديث و الخطابة يجب عليه أن"يصمت". يقول الدكتور الغذامي عن رابطة الشاعر و القبيلة:"فالشاعر بما أنه قد صار صوت القبيلة فإنه لا بد أن يكون صوتا قويا يجري اختياره من بين الأصوات الأخرى، و تحتفل القبيلة بهذا المخترع الثقافي الذي سيكون آلة حربية تحمي القبيلة و تحقق لها الهيبة في نفوس الآخرين، و هذه سمات لا تتحقق إلا بشخص له صوت يعلو على الأنداد و الخصوم معًا" (النقد الثقافي ص 205) . و إذا خسرت القبيلة"صوتها"فإنها ستعيد تشكيل نفسها لتعلن عن ولادة"صوت"آخر، و هكذا.

و هذا كما قلنا هو"قانون نسقي"عند كل جماعة، فالكنيسة عندما خسرت حكمها السياسي، و توصلت إلى قناعة تامة بعدم قدرتها على إدارة الأمور و مواجهة التحديات السياسية و الثقافية، كان يجب حينها أن توكل غيرها ليكون حاكماً يغطي العجز و يقود المواجهات تجاه الخصوم. و هذه نقلة تاريخية جعلت الكنيسة خاضعة تماماً لكل ما هو سياسي في إطار"جماعتها"، و بهذا تكرر ما يحدث تاريخياً مع كل جماعة، ففي مثل هذا الخضوع، هناك جماعة"تتكلم"و جماعة يجب عليها تباعاً أن"تصمت". و الكنيسة لا تعتقد أن دورها السياسي انتهى، فعندها من الوعود الدينية التي تبشرها أنه مهما طال"الصمت"، سيأتي اليوم الذي ستكون مؤهلة فيه لـ"لكلام".

و الذي حدث بالنسبة للشيعة مؤخراً، هو قريب جداً مما حدث للنصارى، و قد كان البعض يستغرب كيف صار الحال في العراق على هذا النحو الذي وصلت إليه الأمور، خصوصاً بعد فترة طويلة من التجاور و التعايش مع السنة. لكن بعد أن نجحت الثورة الإيرانية، خضعت المراجع الدينية الشيعية تحت"عمى ثقافي"كبير لسلطة الطبقة السياسية تماماً بشكلها الديني الجديد بعد أن تم تفعيل"ولاية الفقيه"، و حينها اكتملت الشروط الضرورية لعمل"القانون النسقي"نفسه، فطبقة يجب أن"تصمت"و طبقة لها الحق أن"تتكلم". و كل من لا يلتزم بهذا القانون سيواجه كل أنواع الاضطهاد, و استمر المبدأ حتى يومنا الحالي بنفس الطريقة التي تضمن تفاعل القانون النسقي. و لعل هذا فيه شيء من الإجابة عن السؤال -و إن كان في سياق مختلف- الذي طرحه الأستاذ فهمي هويدي في مقاله"رسائل الإعدام المهين":"لو أنها كانت إيران الشاهنشاهية، هل كان الأمر يختلف عما عبرت به إيران الإسلامية؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت