فهرس الكتاب

الصفحة 25776 من 27364

و لا ندعي أن أهل السنة مجردين من هذا"العيب النسقي"، بل قد ظل يكرر نفسه تاريخياً دون أن يواجه بشيء من النقد. و قد يستغرب البعض صمت كثير من العلماء الذين نشهد لهم بالصلاح و الفضل عن كثير من الأحداث السياسية، لكن خضوع المؤسسات الدينية الرسمية و أتباعها تحت سلطة الطبقة السياسية شكل الوحدة الاجتماعية الضرورية لتفعيل وظيفة القانون النسقي نفسه، و لذلك كان عليهم أن يوكلوا لهم كل الحق بالكلام و إدارة الأمور، و يلتزم الآخرون بالطرف الأيسر من معادلة التفاعل النسقية، و هو"الصمت". و الذين يقرؤون في السياسة الشرعية عند أهل السنة، سيجدون الكثير عن صلاحيات"أهل الحل و العقد"، لكنها بقيت في إطارها النظري-إلا ما ندر- في كل فترات تاريخنا السياسي. و هذه السلطة الكبيرة الموجودة عند أهل الحل و العقد عند السنة، موجودة نظريا عند الشيعة و عند النصارى، لكنها آخيرا قد تعطلت بعد كثير من الأحداث.

و لذلك كانت من أهم المطالبات الإصلاحية التي يطالبها بعض علماء السنة قبل الوقوع الكامل في نفس الخطأ، هو استقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية. قال هذا الشيخ سلمان العودة في أكثر من محفل إعلامي, كما أن الشيخ القرضاوي أكد على ضرورة أن يسترد الأزهر أوقافه، و أن يكون مستقلا في حركته لا يخضع للقرار السياسي.

و لذلك يجب علينا أن نسلط الكثير من النقد على هذا"العيب النسقي"، ففعالية المطالبات الذي ذكرها الشيخ القرضاوي و غيره متوقفة على وعي الأطراف الأخرى في تصحيح خطاباتها الثقافية التي تضررت كثيرا من هذا. و لا أعتقد أن المسألة مستحيلة، بعد أن رأينا أن الشيعة و غيرهم قد فرضت عليهم بعض الأحداث استجابات أكثر عمقاً، مما يدل على أن باب التغيير مفتوح، لكن الأمر في حقيقته متعلق بخطابنا الثقافي و كفاءة أجندته في بناء الوعي عند الغير بهذه النقطة بالذات.

(4) على الرغم من تلك الجهود المبذولة لتوحيد الصف أثناء مواجهة القضايا الكبرى، و قيام الكثير من الاتحادات و المنظمات و الهيئات التي تهدف لتكثير السواد في مواجهة أية أزمة، و التي غايتها أن يكون الخطاب أكثر قوة و فعالية، إلاّ أننا بدأنا نلحظ تراجعاً كبيراً في الجهود المبذولة لتأسيس خطابات جماعية من جهة، و في زيادة فعالية ما هو موجود من جهة أخرى. و هذا العيب قد كشفته"صورة"الإعدام التي كانت انعطافاً حساساً في تاريخ الأمة. و على الرغم من هذا كانت كل البيانات -إلاّ ما ندر- فردية أو شبه فردية.

و إن كانت كل الأطراف المعنية بقضية الإصلاح و التغيير و التجديد تشتكي تسلط الذهنية التقليدية و أحادية الرأي، إلاّ أنها -و من خلال تأثير هذه الصورة- سترسخ هذا العيب فيها، و ستتجه النخبة - بلا وعي و تحت عمى ثقافي- إلى الانقسام إن مر مثل هذا الموقف دون مراجعة ناقدة.

ووصول الأمر إلى هذا المدى، يكشف عن عيب جذري يصاحب كل الحركات الإصلاحية الإسلامية أو الحداثية على حد سواء، و السبب أن هذه الحركات لم تتمكن من تأسيس خط كلي و بوعي جمعي عميق، بل ظلت في حقيقتها حركات فردية و ثقافتها ثقافة أفراد و رموز، و إذا ظل الرمز بوحدانيته تحول فكره إلى فكر شمولي، و ظل متعالياًً على النقد مهما ظل يصرح بأنه من دعاة النقد و الحوار، و هذا مشهد واقعي لا يكاد يستثني أحد الرموز على المشهد الثقافي، و لا يختلف في هذا الإسلامي عن العلماني شيئاً، و لذلك لا توجد لدينا أي حركة إصلاحية تؤسس معها جهازاً نقدياً حقيقياً ضمن خطابها، و هذا ما يجعلها مضطرة للانقسام على نفسها -مع كل حدث- حتى تظل محافظة في مضمونها على ثقافة الرجل الواحد، مهما بدا الظاهر غير هذا. و هذا الواقع المتأزم طبيعي, فالحقيقة أنه لا يمكن تشكيل جهاز نقدي حقيقي خارج إطار التيارات ذات التكوين الجمعي العميق.

و كما قلنا، إن مر مثل هذا الحدث الذي فجرته"الصورة"-و الذي غدا من أهم الانعطافات التاريخية الأخيرة- دون مراجعة نقدية، عندها ستقيد"الصورة"جهود النخبة في تأسيس أي خط جمعي في المستقبل، فالقانون المنطقي سيفرض نفسه ليقول:"ما دام أن هذا الحدث الذي ستثبت حساسيته الأيام قد مر دون تأسيس موقف جمعي حقيقي، فكل ما دونه لن تواجهه إلاّ الخطابات و المواقف الفردية في المستقبل".

و هذا ما جعل بعض مفكرينا يناشد الجامعة العربية بعقد اجتماعاً طارئاً فعالاً لتأسيس موقف جمعي مؤثر حول قضية العراق و قضية الاقتتالات الطائفية، و هذه مطالبة واعية، فالحقيقة إن مرت هذه الحادثة المهمة دون موقف حيوي جمعي، فهذا يعني أن الجامعة العربية قد كتبت نهايتها، و لن تحظى أي قضية دونها -حسب القانون المنطقي- بأي اجتماع بعد أن لازمت مثل هذه الحادثة بيانات رسمية فردية. و الوعي بهذه النقطة يذكرنا بما جعل الحكومة السعودية تستنكر قيام بعض الدول في مجلس التعاون بعقد علاقات دولية حساسة بصورة فردية لا تشاورية، و هذا يدل على وعي منها بأثر هذا على مستقبل النقاش الجماعي في القضايا المشتركة الأقل حيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت