مطالب الإصلاح الأمريكية هي وسيلة الابتزاز الجديدة التي اكتشفها المحافظون الجدد وسيستخدمونها بعناية خلال المرحلة المقبلة، وهي وسيلة أثبتت نجاعتها إلى الآن، أما لعبة الديمقراطية لمن يطيعون الأوامر فيمكن تخريجها بذات الطريقة المتبعة، أي هياكل ديمقراطية مفرغة من مضمونها الحقيقي. وإلا فكيف يمدح السيد بوش تقدم الإصلاحات الديمقراطية في دول يمكن القول إن حال الحرية فيها قبلها كان أفضل بكثير؟!
لمواجهة هذا الموقف وللإجابة على جدلية"بيدي لا بيد عمرو"، أي الإصلاح المفروض من الخارج في مقابل ذلك النابت من الداخل يقول التقرير:"والتحدي الذي يواجه قوى النهضة في الوطن العربي هو كيفية التعامل مع هذا البديل (ضغط الخارج) بما يعزز مسار الإصلاح من الداخل، ويقلل ما أمكن من مساوئ هذا البديل الجوهرية".
هذا البديل الثالث، بحسب التقرير، هو الذي سيجنب البلاد العربية مساراً بائساً يتمثل في لجوء البعض إلى"الاحتجاج العنيف"، الذي"تتزايد معه فرص الاقتتال الداخلي، وقد يفضي إلى تداول قادم للسلطة يتأتى عن العنف المسلح، بما ينطوي عليه من خسارة إنسانية لا تقبل مهما صغرت".
لا ندري هل يتحدث التقرير عن المدى القريب أم المتوسط أم البعيد، ذلك أن قدرة الاحتجاج العنيف على إحداث تغيير في العالم العربي لا تبدو واقعية، ليس فقط بسبب الموقف الحالي لقوى الهيمنة الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بل أيضاً لأن الدولة الأمنية غدت راسخة وليس ثمة قوة محلية تستطيع مواجهتها والانتصار عليها من دون دعم شامل من قبل الجماهير كما حصل في إيران.
أما ضغط الخارج، فهدفه الابتزاز كما أشرنا من قبل، وسينحاز للحكومات القائمة إذا ما وجد أن بديلها هو القوى الشعبية الأكثر رفضاً لسياساته. وتبقى الوصفة التي رجحها التقرير ممثلة في المواءمة بين المسارين، والتي ترد عليها فقرة أخرى أوردناها من قبل، وتتحدث عن قيام الأنظمة بـ"تحييد النخب بالترغيب والترهيب، والمسارعة إلى عقد الصفقات مع قوى الهيمنة الأجنبية والإقليمية".
هكذا ينتهي التقرير من دون تقديم حل ناجع ومقنع، اللهم سوى نصائح موجهة للأنظمة، تماماً كما كان الحال في التقريرين الماضيين، لاسيما الثاني المتعلق بالمعرفة، لكن المسار الأفضل يبقى هو ذاته الذي آمن به المصلحون المنتمون إلى أمتهم، والذي يمكن إدراجه ضمن المسار الوسطي الذي أشار إليه التقرير، والمتمثل في استمرار النضال الشعبي ضد الدكتاتورية في الداخل إلى جانب النضال ضد الهيمنة الخارجية على القرار السياسي العربي، وهو ما يأمل المخلصون بألا تواجهه الأنظمة بذات الردود التقليدية، أي التنازل للخارج والتحالف معه من أجل الهروب من طموحات الحرية مع المحافظة على الهوية العربية الإسلامية التي تنشدها الشعوب