فيما بعد سيمضي هؤلاء الشباب بالعمل الإسلامي في طريق الانفصال عن الشبيبة؛ في البداية احتجاجاً على طريقة إدارة المرشد التي تميل للتخوين وبث روح الشك وعدم الثقة بين الأعضاء، ثم سيتحول الأمر إلى خلاف في الرؤى والأفكار بعدما تبنت الشبيبة العنف وخرقت الإجماع الوطني بانحيازها إلى انفصال الصحراء..كان هذا في عام 1981، وهو العام الذي بدأ فيه بن كيران في وضع أولى بصمات نوع جديد من القيادة في العمل الإسلامي.
لما استقل الشباب عن تنظيم الشبيبة بدؤوا في وضع لبنات تنظيم جديد: الجماعة الإسلامية الذي ضم العدد الأكبر والأهم منهم، ولكن دون أن يعلنوا عن ذلك، وتصادف أن صعّد مرشد الشبيبة من عمليات التحريض ضد النظام والإساءة إلى الملك وتورط في إدخال أسلحة للبلاد عبر الجزائر كما انحاز إلى انفصال الصحراء؛ فبدأ النظام حملة اعتقالات موسعة في صفوف كل المنتمين للتنظيم. ولما كان أعضاء الجماعة الإسلامية أعضاء سابقين فقد طالتهم الاعتقالات، وهنا سيظهر أول دور محوري لـ"بن كيران".
كان أبناء الجماعة الإسلامية قد انفصلوا - فعلاً- تنظيمياً وفكرياً عن الشبيبة الإسلامية وكان من الطبيعي أن يعلنوا ذلك لكنهم لم يفعلوا، ربما كانوا يرفضون أن يبدؤوا بإعلانهم الخروج فصلاً في معركة مع مرشدهم السابق، أو ربما كانوا يستحيون أن يظهروا وكأنهم يتبرؤون من ماضيهم"الإسلامي".. فامتنعوا لهذا وربما لأسباب أخرى عن إعلان موقف قاطع مع الشبيبة، فكان وحده بن كيران من تجرأ، وأخذ مبادرة أن يعلن للسلطات هذا القرار الذي رفض الجميع أن يأخذه أو يوافقه عليه، بل وأصدر نيابة عن نفسه وإخوانه بياناً صريحاً بذلك على أن يترك لبقية الإخوان أن يتبرؤوا منه، ومن البيان إذا ما رفضوه بل وأن يأخذوا قراراً بفصله من الجماعة إذا ما رأوا ذلك بعد خروجهم أو توقف ملاحقة من ظل هارباً منهم!
لقد رأى عبد الإله أن الحركة تأخذها العزة بما سيدخلها في نفق لن تجني منه إلاّ الحنظل، وأن واجب اللحظة القيام عنها بما تستحيي أن تقوم به وهي التي لم تخف السلطة والسجون؛ فتطوع لمهمة لم ينتدبه إليها أحد بل ووضع نفسه في وضعية المتهم بالتساهل أو اللين في مواجهة السلطة بل وربما كان سيصبح أول ضحاياها إذا لم يتفهمه إخوانه الذين مازالوا حديثي عهد بالتشدد، ولم يفارقوا بعد روح التضحانية التي تجعلهم يستعذبون الأذى ولو قبل أوانه ومن دون أي استحقاق!
ولكن جاءت مبادرة عبد الإله بالخير على إخوانه و جماعتهم التي سرعان ما تخلصت من عقدة الشبيبة الأولى في سلسلة عقد كانت تحكم علاقتها بالنظام، ويبدو أن نجاح هذه المبادرة سيكون له تأثير بالغ في منهج عبد الإله في التعامل مع كل العقبات والعقد التي واجهتها الحركة أو عاشتها.
سريعا سيدخل عبد الإله معركته الثانية والتي كانت موجهة ضد السرية ولم يكن قد صعد بعد إلى سدة القيادة التي كان فيها محمد يتيم رئيساً للجماعة الإسلامية، و على الرغم من ذلك طرح عبد الإله مبادرته التي تدعو إلى ضرورة أن تقطع الجماعة مع السرية وتسعى إلى أن توفق أوضاعها قانونياً وفق النظام واللوائح المعمول بها.
لا يمكن فهم أهمية ما دعا إليه بن كيران إلاّ إذا وضعناه في سياقه التاريخي؛ فقد كانت السرية في هذا الوقت من أهم أسس العمل الإسلامي الذي توارثته الجماعة عن تنظيم الشبيبة وغذته من أدبيات الحركات المشرقية التي كانت حاضرة بقوة، ومن ثم فلم تكن تتصور القطع معها في يوم ما.
قوبلت دعوة العمل في إطار القانون ورفض السرية برفض عارم من التيار العام للحركة لكن عبد الإله أصر عليها وقاوم من أجلها، فما كان إلاّ أن وافقت الحركة على الفكرة جزئياً بأن تسمح لعبد الإله بأن يتحرك في مسألة القانونية، ولكن في إطار محدود لا يتصل بالجماعة كلها وإنما بفرعها بالرباط الذي كان مسؤولاً عنه، فقام عبد الإله من فوره بإيداع أوراق جمعية"الجماعة الإسلامية"في فرع وزارة العدل بالرباط، وكانت تلك أول محاولة في تاريخ الحركة الإسلامية لتجاوز السرية وتوفيق أوضاعها قانونياً.
ستكر المسبحة وتأخذ أفكار عبد الإله مسارها في الحركة رغماً عن رفض التيار العام لها، وفي أول اعتقالات طالت معظم أعضاء فرع تنظيم"الجماعة الإسلامية"في مدينة مكناس، وكادت تسقط التنظيم في القطر كله سيقود بن كيران حملة لإقناع الحركة بلا جدوى السرية، وأنها أضعف من أن تحافظ على التنظيم بل إن خطأً واحداً يمكن أن يقضي على التنظيم مهما تحصن بالسرية. وكان درس اعتقالات مكناس مما ساعد الحركة على تقبل دعوة عبد الإله وإن على مضض.
ثم ستتعزز وضعية عبد الإله مع انتخابه رئيساً للحركة عام 1986 بأغلبية تجاوزت الثلثين بما يؤهله لأن يقود أيضاً الدعوة إلى تجاوز مأزق الاسم (الجماعة الإسلامية) بعدما أثار رفض الجهات الرسمية التي رأت أنه لا يتناسب مع بلد كل شعبه مسلم، ويستمد نظامه الشرعي من الدين باعتبار أن الملك فيه أمير المؤمنين، وستتجاوب الجماعة مع بن كيران وتغير اسمها إلى التجديد والإصلاح!