ستستمر أفكار عبد الإله في فرض منطقها على الحركة لتدفع بها نحو تجاوز إشكاليات مهمة؛ ومن أهمها تلك التي تتصل بعلاقاتها بالدولة، هل هي دولة إسلامية؟ وهل تسلم الحركة بالنظام الملكي؟ وهل تقبل بمبدأ إمارة المؤمنين الذي يؤسس للملك والملكية شرعية دينية؟.. إنها الإشكاليات التي كانت تتلبسها بتأثير النشأة مع الشبيبة الإسلامية وبتأثير الفكر الحركي المشرقي أيضاً.
سيطرح بن كيران وكان رئيساً للحركة تصوراً يبدو بسيطاً لتجاوز هذه الإشكاليات، ولكنه بالغ الأهمية على الأقل في لحظته التاريخية (وكل ما فعله لا يُقرأ إلاّ في سياقه التاريخي) ، فقد ذهب بن كيران إلى القول بأن الدول مثل الأفراد، لا نحكم عليها إلاّ بما تدعيه، وإذا كانت الدولة قد أعلنت أنها مسلمة فهي كذلك حتى ولو ارتكبت ممارسات تخل بإسلامها، ومثلما لا نكفر الفرد الذي يعلن الإسلام حتى ولو أتى بالذنوب والمعاصي فإنه لا ينبغي أن نكفر الدولة بمجرد أن ارتكبت ما لا يتوافق مع الإسلام طالما أعلنت أنها مسلمة.
على بساطتها ستعمل هذه الفكرة عملها في الحركة لتفكك كل الألغام التي كانت تقف في طريق علاقتها بالدولة ونظرتها لها، ستتجاوز سريعاً نفق تكفير الدولة الذي دخلته معظم الحركات الإسلامية الأخرى، ومن ثم ستتخلص من كل العقبات التي تقف أمام"تطبيع"وضعيتها في المجتمع المغربي.
سيتولي بن كيران ومعه نائبه عبد الله بها أقرب قيادات الحركة إلى قلبه وعقله وضع وثيقة تقبل فيها الحركة بالنظام الملكي، بل وتقر فيها بإمارة المؤمنين التي تؤسس للشرعية الدينية للملك ونظامه، وكانت وجهة نظرهما أن الإقرار بالشرعية الدينية للملك يلزمه بهذه الشرعية التي تسوّغ للحركة الإسلامية مساءلته عليها ومحاولة إلزامه العمل بمقتضاها.
في هذه الوثيقة التي طرحها عام 1990 ستتضح رؤية بن كيران بأنه إذا كان النظام الملكي هو الضامن لوحدة التراب المغربي فإن إمارة المؤمنين هي الضامن لإسلامية الدولة وعدم انحرافها أو سقوطها في براثن الأطروحات العلمانية الداعية للتخلص من أي مرجعية دينية.
ستواجه وثيقة بن كيران وبها معارضة شرسة من التيار العام في الحركة ممثلة في مكتبها التنفيذي، وأمام هذا الرفض سيضع الرئيس ونائبه استقالتهما تحت تصرف قيادة الحركة والتي ستنتهي إلى القبول بالوثيقة بعد إعادة صياغتها فيما يمثل انتصاراً للخط الذي تبناه بن كيران ودعا إلى ترسيخه في مسار الحركة.
التئاماً مع مشروعه لتطبيع وضعية الحركة في المجتمع المغربي كان بن كيران صاحب مبادرة تأسيس العمل النسوي للحركة وذلك بمجرد انتخابه رئيساً للحركة، وعام 1986 وفي بيته بحي الليمون في الرباط التئمت أول مجموعة للأخوات شكلت نواة أول تجمع نسوي للحركة، وفي بيته أيضاً انعقد أول مؤتمر نسوي للحركة.
وكان بن كيران أكثر من دعموا العمل النسوي حتى انتهت الحركة الإسلامية المغربية إلى تصور متقدم لها عن بقية الحركات الإسلامية الأخرى في قضية وجود المرأة وعملها في الحركة، وهو تصور يقوم على ثلاثة أركان: وحدة العضوية؛ إذ تصبح شروط عضوية المرأة في الحركة هي نفس شروط الرجل ولا يُميز بين العضويتين، ثم وحدة التنظيم؛ إذ لا يوجد تنظيم خاص منفصلاً للنساء عن الرجال، بل يشتركان في كل هيئات الحركة، ثم العمل المشترك؛ إذ يعمل الإخوة والأخوات بطريقة تشاركية.
كما قاد عبد الإله مبادرة دخول الحركة إلى العمل الحزبي فكان صاحب مبادرة تأسيس أول حزب للحركة؛ حزب"التجديد الوطني"الذي رفضت الدولة الترخيص له، ثم قاد المفاوضات مع عبد الكريم الخطيب ليقبل بدخول الحركة في حزبه"الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية"الذي تحوّل فيما بعد إلى حزب"العدالة والتنمية"، وقد ظل مسؤولاً عن إدارة ملف الحزب طوال رئاسته للحركة، واستمر مسؤولاً عنه إلى ما بعد عقد أول مؤتمر عام للحزب، ولم يترك المسؤولية إلاّ بعد انتخاب سعد الدين العثماني أميناً عاماً للحزب.
لقد قاد بن كيران حركته: التجديد والإصلاح مدة فترتين رئاسيتين متواصلتين (1986- 1994) كانت الأكثر أهمية في تاريخها؛ إذ سيكتمل تأسيس الحركة وبناء التنظيم بشكل هيكلي وإداري صارم ووضع اللوائح والقانون الداخلي وتأسيس مجلس الشورى.
ستتضح ملامح الحركة تحت قيادة بن كيران وستتحول من تنظيم سري محدود الحركة والتأثير وقيد الملاحقة إلى حركة علنية معروفة لها مقراتها وصحفها وحزبها السياسي، وسينتظم في عضويتها نحو عشرة آلاف عضو يمثلون الكتلة الأكبر في بناء الحركة حتى يومنا هذا.
عبد الإله بن كيران ليس مفكراً، ولكن لديه القدرة على إنتاج بعض الأفكار المهمة أو التقاطها وتوظيفها في العمل الحركي، وإن لم يكن لديه من القدرات ولا السعة ما يسمح له بالاشتغال على تطوير هذه الأفكار.