من الأفكار التي أطلقها بن كيران، واستفادت منها الحركة فكرة أن مهمة الحركة الإسلامية ليست الوصول إلى السلطة حتى ولو كان الهدف إقامة الدين، بل إن مهمتها هي المشاركة في إقامة الدين من دون أن يتوقف ذلك على الوصول إلى السلطة، فهو يرى أن الحركة الإسلامية إذا صارت سياسية وطلبت الحكم - ولو لإقامة الدين - فهي سيجري عليها ما يجري على الساسة وطلاب الحكم. ويلح دائما على أن فعل الحركة يجب أن يكون تغيير ما بالنفس والمجتمع وليس الوصول إلى السلطة التي ستأتي تتويجاً لهذا التغيير وليس مقدمة إليه.
كما كان صاحب فكرة أن الأمة مازالت تعيش عقدة النبوة والحاجة لزعامة تقودها تحل بديلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقف بن كيران ضد هذه العقدة والداعين للقيادة المؤسسية البريئة من هذه العقدة؛ فكان أكثر من تصدوا لنمط القيادة الصوفية الأبوية الذي دعا إليه وطبّقه الأستاذ عبد السلام ياسين مؤسس ومرشد جماعة العدل والإحسان، والذي يقوم على فكرة أنه لا يمكن للإنسان السير إلى الله إلاّ بشيخ أو مرشد.
لقد جرّت أفكار عبد الإله عليه العنت والنقد سواء من إخوانه في الحركة أو من بقية الحركات الإسلامية الأخرى؛ وتسببت له طريقته في القيادة في سلسلة من الصدامات التي لا تنتهي مع أجيال الحركة؛ فقد كانت تخلو من فكرة صناعة صورة القائد المبجل المهيب، كما لم تكن تخلو من رعونة دائماً ما أدخلته في صراعات بل وعداوات كان يمكن تجنبها بقليل من الكياسة واللباقة.
لقد دفع عبد الإله ثمن نزع الفتيل بين الحركة الإسلامية والدولة، فاتُّهم باللين والضعف والتساهل مع الدولة، بل واتهم في بعض الأحيان بالعمالة للنظام، و"بيع"الدعوة.
ودفع أيضاً فاتورة أنه أسرع بالحركة بأكثر من طاقتها على السير أحياناً، فحملها على مجموعة من الأفكار والمبادرات المتقدمة والصعبة التي أنهكتها وأتعبتها وراء سيره السريع والمتلاحق، فكان أن فضّلت القواعد أن ترتاح قليلاً مما فعله عبد الإله بن كيران.
صوتت القواعد ضد بن كيران في انتخابات الحركة عام 1994 فأبعدته عن رئاستها، واختارت بدلاّ منه محمد يتيم رئيساً لها ليكمل بها مسيرة الوحدة عام 1996، كما استكمل بن كيران دفع الفاتورة بإبعاده عن الإشراف على ملف الحزب وانتخاب سعد الدين العثماني أميناً عاماً له.
ثم دفع الفاتورة ومازال بما يبدو من تجاهل بل ونكران كثير من أبناء الأجيال الشابة للرجل وعدم تقديرها أو حتى وعيها بما أدّاه تاريخياً للحركة لدرجة أن ترشيحه للبرلمان في الدائرة التي كان نائبها تقليدياً صار محل جدل واختلاف بين قواعد الحركة!
لقد عرفت الحركات الإسلامية نوعاً من القيادات على استعداد أن تناطح أعتى نظام وتتحدى أقوى سلطة، لكنها لا تمتلك الجرأة أمام جماهيرها فتضعف تجاهها وتخشاها بأكثر مما تخشى السلطة، بل وتتردد في مواجهتها فيما تستخف بالسلطة وبما يمكن أن تلاقيه منها من تضييق واعتقال وسجن، فيما ندر فيها أمثال بن كيران الذي يغامر بمواجهة الجماهير، ويقبل أن يتصدق بعرضه في هذه المواجهة من أجل تحرير حركته من المعارك الوهمية والخروج بها من الأنفاق التي تؤدي بها خارج التاريخ.
لقد تأخر تطور كثير من الحركات الإسلامية بسبب أن القيادة وقعت أسيرة الجماهير فداهنتها، وأنتجت لها خطاباً على قدرها، فنزلت بها الجماهير بدلاً من أن تأخذ هي بيدها، ومن هنا كان يجب أن نتوقف عند عبد الإله بن كيران صاحب فضل القيادة من دون كاريزما.