فهرس الكتاب

الصفحة 17422 من 27364

هذه هي التيارات الثلاثة التي توجه الحالة الإسلامية اليوم ، في مرحلة البحث عن مستقبل للمشروع الحضاري الإسلامي ، وهي في الحقيقة تيارات على قدر ما فيها من تباين على قدر ما فيها من تكامل وتعاضد ، إذا حسن إجراء حوار علمي وحضاري وديني جاد بين رموزها ، وإذا أمكن السيطرة على نوازع الغلو في كل تيار ، وهي موجودة في الجميع ، وفي تقديري أن مستقبل المشروع الحضاري الإسلامي مرهون بمثل هذا الأمل في تكامل هذه الجهود ومن ثم امتزاجها في تيار عام يعيد بناء الشخصية المسلمة ، ويعيد بناء الأمة ، والدولة ، ثم يعيد بناء الخطاب الإسلامي العام إلى العالم كله . إن النهضة الإسلامية في تصوري لا يمكن أن تقوم إلا على بناء سلفي متين ، لأن هذه النهضة في أساسها هي نهضة دين ، فهو قطب وجوده ووجودنا ، ودين الله هو نص كتابه وسنة رسوله ، ومنهج السلف الصالح الذي تأسست عليه هذه الأمة العظيمة التي ننتسب إليها ، ومن أراد أن يجتهد أي اجتهاد ، علمي أو سياسي أو دعوي أو حضاري وينسب ذلك إلى الإسلام ، فعلى هذا النهج الواضح ، بلا التواء ولا مجاملات ، فالأصل العام في النهضة الإسلامية ، أنها نهضة أمة الكتاب والسنة، أمة الوحي ، فهو الراية وهو الدليل وهو الرائد ، وعندما نفقد التزامنا بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، فإن سفن النهضة تنفلت من مسارها خبط عشواء ، تتجاذبها الرياح رياح الفكر ورياح الفتن ورياح الشهوة ، ثم تغرق بها في قرار سحيق ، وعلى جانب آخر فإن هذه النهضة لا بد وأن يكون لها حضورها الواعي في معترك الحياة الإنسانية بكافة تشعباتها ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لأننا نبني أمة بشرية ، وللبشر احتياجاتهم ، وللأجيال طاقاتها التي تحتاج إلى أن تفرغ في مشروعات بديلة آمنة ، وعندما تتوقف أنت عن ذلك وتنعزل فسوف يتقدم غيرك ويقود هذه الطاقات ، إنه من الميسور أن يمارس المسلم الآن دور رجل المرور في شوارع الفكر والأخلاق والاقتصاد والسياسة ، فيحذر هذا من ذاك الطريق ، وينهى الآخر عن هذه المركبة ، ولكن دون أن يكون قد خطط سبلا وطرقا وخدمات بديلة تضبط مسار الفعل في المجتمع وتستوعب توسعات النشاط وتوسعات الطموح عند الناس ، وأن يقوم بتنفيذها أو بعضها بالفعل ، وكذلك فمشروع المستقبل الحضاري لا يمكنه تجاهل عطاء الفكر الإنساني ، وخاصة المفكرين الإسلاميين ، ودورهم في تحريك الوعي الإسلامي والدفاع عن الإسلام ضد خصومه ، وحماية العقل الإسلامي من كثير من المخاطر التي تهددته من تيارات ومناهج وافدة ، كما لا يمكن أن يتجدد عطاء الإسلام في حياة الناس من غير أن تتجدد اجتهادات تتأمل في مستجدات الهموم والخطوب ، وتطرح البديل الشرعي الذي ربما لم ينتبه له القدماء ولم تصطدم به آلة الفقه في السابق ، ولا بد وأن تكون هناك رحابة صدر في احتمال ما ينجم عن مثل هذه الاجتهادات من أخطاء أو مثالب ، يمكن تداركها والإبانة عن زللها والتحذير منها ، ولكن دون أن نجرح أصحابها أو نهيل على تاريخهم التراب .

وبعد ..

فقد كانت هذه إطلالة عامة بطبيعة الحال ، على تحولات الفكر الحضاري في العالم الإسلامي في العصر الحديث ، تحتاج إلى حوار ونقد وتمحيص وإضافة وحذف ، كما تحتاج إلى كثير من إحسان الظن بصاحبها ، الذي يعترف بأن بضاعته في هذا الشأن"مزجاة"، فإن أحسنت فمن الله وبرحمته ، وإن زللت فمن نفسي والشيطان ، والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت