التيار الثاني ، وهو التيار السياسي والحركي ، وهو ينتظم في جماعات وأحزاب سياسية متعددة ، وهو تيار يعود إليه الفضل في تسجيل الحضور السياسي الفاعل والمثير للدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم ، وكان وما يزال يمثل المجال الحيوي لاستيعاب طاقات أجيال من الإسلاميين ممن يملؤهم الشوق لتسجيل حضور الشريعة الإسلامية في مؤسسات الدولة الحديثة ، والدفاع عن حق الإسلاميين في المشاركة في الحكم أو الشورى أو الهموم العامة في الدولة ، وإن كان هذا التيار يتوزع على جبهات عديدة منها من قبل العمل من خلال مؤسسات الدولة العلمانية لدفع صائلة قوانين العقوبات التي تضطهد العمل خارج القانون الرسمي للدولة ، ويحمد لهذا التيار أنه أعطى الصحوة الإسلامية نوعا من الهيبة في العمل العام والسياسات المحلية والدولية ، ولكن المشكلة الكبرى في هذا العمل هي في التبعات التي تعلق بأي نشاط سياسي ، وهي خفة الضبط العقدي والمنهجي والقيمي لخدمة ما تراه الحركة مصالح عملية أو سياسية ، كما أن التربية في صفوف أبنائها ترتكز على تنشيط الوعي العام بأحوال الأمم والواقع السياسي المحلي والدولي على حساب عمق التربية العقدية والسلوكية ، ولعله مما يلاحظ عامة على تلك التوجهات قلة الاهتمام بالسنن ومعالم الهدي الظاهر ، بل هناك نوع من الاستخفاف بها وربما التهكم على الملتزم بها ، والأمر الجدير بالملاحظة أن التيار الحركي السياسي الذي ينشط خارج المؤسسات الرسمية ، في تنظيمات لها طابع سري أو غير قانوني ، هي ـ من بين أبناء ذلك التيار ـ التي تكون أقرب إلى التربية العقدية ، وهي ملاحظة تحتاج إلى تحليل بلا شك ليس هنا مكانه .
ويبقى التيار الأخير وهو ذلك التيار الذي ينزع إلى الاجتهاد العقلاني في فهم النصوص والواقع الدعوي والعام ، وهو تيار قوي يملك أصحابه قدرا عاليا من رجاحة العقل ، ويملكون ـ عادة ـ خبرة عميقة بالحالة الثقافية والسياسية في المجتمع المحلي والدولي ، كما أنه بالنظر إلى أن كثيرا من أقطاب هذا التيار هم من المتحدرين من تجارب عقدية ومنهجية مغايرة للمنهج الإسلامي وعقيدته ، من ماركسيين وقوميين وبعثيين وليبراليين لا دينيين ، فإن في مواقفهم الفكرية قيمة كبيرة في التصدي لرموز التيارات التي كانوا ينتمون إليها ، وقدرة عالية على دحض حججهم ، وكشف عوارهم وفضح تناقضاتهم وهشاشة موقفهم الفكري ، ولا شك في أنهم أفضل من قاموا ويقومون بهذا الدور ، ولكن هذا السبب الذي منحهم هذه الإيجابية في النشاط الإسلامي العام ، هو نفسه السبب الذي مثل نقطة الضعف الواضحة في نشاطهم ، وذلك أن علاقة هذا الفريق بأصول الشريعة ليست حميمة ، وحسهم الفقهي والتراثي فيه غربة ، وبناءهم العقلي والنفسي اكتمل قبل تشربهم لروح الإسلام ، ولذلك تأتي رؤاهم في العديد من القضايا الإسلامية العامة ، وخاصة ما يتصل منها بالسنة أو شؤون العبادات أو أصول التشريع ، تأتي ناشزة ، ومفارقة لإجماع أهل العلم ، كما أن لديهم جرأة مدهشة على تجاوز النص الشرعي إذا لم يوافق تأملهم العقلي ، والخطير أن عقلهم العلمي لم يتأسس ويتبحر في غمار العلوم الشرعية ، ولم يألف وعي الفقهاء والعلماء بالمشتبهات وتخريج ما غرب على العقل العام من الأحكام والنصوص ، ولذلك يستسهلون إسقاطها أو تجاوزها ، وترى منهم جرأة عجيبة في هذا الباب ، بل هناك حالة من الاستعلاء غير الصحي في مواقفهم تجاه أبناء الدعوة الإسلامية ممن لا يوافقونهم في نزعتهم ، وأخطر ما في أمر هذا التيار أنهم اقتربوا من بعض"المشايخ"إنسانيا وفكريا ، وأثروا فيهم تأثيرا كبيرا ، وخاصة عندما دخلوا إليهم من باب نظر الغرب إلى الإسلام ، وتحسين صورة الإسلام أمام الإنسان الغربي الجديد ، وما تصوروه تيسيرا على الناس في الأحكام ونحوها ، في حين أنه ينتهي إلى إضعاف وجود الدين ودوره في حياتهم وفتح باب الاستهانة بالأحكام الشرعية ، وقد تولدت الكثير من التفريعات والتقعيدات غير الحميدة من هذا التيار أثرت سلبيا على اعتصام الأمة بالكثير من معالم الشريعة والجرأة على الاستهانة بها ، من مثل تقسيم الدين إلى لباب وقشور ، واستبدال مصطلح التجديد بمصطلح الاجتهاد ، للهرب من الواجبات العلمية التي يفرضها استحداث النظر في قضايا الشريعة ، وغير ذلك من أمور .