فهرس الكتاب

الصفحة 2579 من 27364

وبعد دراسة متأنية للفيديو كليب استغرقت ساعات طويلة لذيذة أمام التليفزيون أقلب من قناة راقصة إلى أخرى أكثر عريا ، اكتشفت أنه مما يساعد الفيديو كليب على اقتحامنا ما أسميه الرقص الأفقي ، فكلنا يعرف الرقص الرأسي ، وألفناه ، فقد شاهدناه في الأفلام وفي الفنادق (الخمس نجوم ) والكباريهات التي بلا نجوم ، ولكنه كان رقصا رأسيا دائما ، أما الرقص الأفقي فهو مختلف تماما إذ تنام الراقصة / المغنية على الأرض (وهي نصف أو ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة ) لأسباب لا تغيب عن بال أي مشاهد . هذا الرقص أكثر وقعا وتأثيرا ، وهو يدهشنا تماما ، مما يجعلنا نستسلم لإغواء الصورة ونرفع الرايات البيضاء والخضراء والحمراء وكل الألوان الأخرى ، إذ كيف يمكن للمشاهد أن يتفكر أمام هذه الصور الملونة بالألوان الطبيعية وغير الطبيعية لهذه الحسناء المتحركة الأفقية .

والرقص البلدي يهدف للإثارة الجنسية بشكل واضح وصريح ، ولكننا كنا لا نراه إلا في الأفلام وفي الأفراح والليالي الملاح ، فهو جزء من عالم العوالم ، أي أننا كنا نعرفه بوصفه جزءا من عالم مستقل عن عالمنا ، قد نتمتع به وقد نرفضه ، ولكن في كلتا الحالتين هو ليس جزءا من عالمنا (حاولت سعاد حسني في خللي بالك من زوزو أن توسع من الإمكانات التعبيرية للرقص البلدي ، إذ قدمت مرثية عالم أمها الراقصة التقليدية من خلال رقصة حزينة في حين كان شفيق جلال يغني أغنية لا تبكي يا عين على اللي فات ولا اللي قلبه حجر ) .

وفي تصوري أن هذه كانت المحاولة الأولى والأخيرة لفصل الرقص البلدي عن الإثارة الجنسية . وما تفعله الفيديو كليبات هو عكس ذلك تماما ، وتحاول إجازته من خلال عشرات الراقصات (الروسيات والمصريات والهنديات ... إلخ ) المتحركات ! ولكن الأهم من كل هذا هو ما أسميه عملية تطبيع الرقص والإثارة ، فالرقص يقدم في الفيديو كليب على أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليومية . وبدل أن تذهب إلى الكباريهات جاءت هي إلينا . ولعل هذا ما حققه شريف صبري في أغنية روبي الأولى"إنت عارف ليه"حين ظهرت تسير في الشارع بشكل عادي جدا ببدلة الرقص ، ثم ظهرت بملابس عادية ، واستمرت في نفس الرقص البلدي .

إن عملية التطبيع هذه تحول راقصة الفيديو كليب إلى جزء من حياتنا اليومية العادية

ولكن نلاحظ أن الرقص البلدي هنا ليس رقص المحترفات وإنما يشبه الرقص الذي ترقصه بنات الناس الطيبين في الاجتماعات العائلية ، وبذا يتم هدم الحواجز بين حياتنا اليومية والرقص البلدي ، ويتم تطبيعه تماما . (ولعله لهذا السبب فشل الفيديو كليب الأخير للوسي ، فهو ينتمي لعالم الكباريهات الخالص ) . ثم تم تعميق هذا الاتجاه في أغنية روبي الثانية ليه بيداري كده ، فهي تظهر بملابس رياضية وبفستان سهرة وبملابس تشبه ملابس فتيات المدارس المراهقات ثم ملابس أرملة ، ولكنها داخل كل هذه الملابس العادية تقوم بحركات أقل ما توصف به أنها غير عادية فهي حركات كده . وحتى لا يتوه المعني المقصود انظر إلى اللقطة الأخيرة في هذا الكليب . ويتم تأكيد هذا الاتجاه نحو التطبيع في الجزء الأخير من ليه بيداري كده فهو عبارة عن هوم فيديو ، أي فيديو عادي ، منزلي ، تظهر فيه روبي مرتدية ملابس عادية ، وتذهب إلى الكوافير ، عادي ، بل ويظهر وجهها في إحدى اللقطات في غاية البراءة (وليس كده ) وتبتسم وبراءة الأطفال في عينيها (وإن لم يمنع الأمر أن تذكرنا بعالم الرقص في لقطة عابرة من الهوم فيديو ) . إن عملية التطبيع هذه تحول راقصة الفيديو كليب إلى جزء من حياتنا اليومية العادية ، وربما قدوة يقتدي بها أو مثلا أعلى يحتذى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله !

وهنا سيطرح الكثيرون علي هذا السؤال: لماذا تكتب عن هذه الأمور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت