والرد بسيط للغاية ، هو أن مثل هذه الأمور تؤثر في الملايين ، وهي تبين مدى تغير إدراكنا لأنفسنا ولما حولنا ، ولوظيفة العواطف والجسد والجنس (وهي أمور من صميم وجودنا الإنساني ) . أذكر أنني حينما عدت من الولايات المتحدة أوائل السبعينيات ، كان أولادي يعرفون أقل من القليل عن الثقافة الشعبية المصرية بسبب نشأتهم في الولايات المتحدة . ثم فوجئت بابني الذي كان لا يزيد عمره على أربع سنوات يغني أغنية يا واد يا تقيل فقررت أن أعرف الحكاية حتى أعرف ماذا يحدث له ، وماذا يحدث للمجتمع المصري ككل !! وذهبت إلى فيلم خلي بالك من زوزو وشاهدته ومعي قلمي وأوراقي ، وكتبت دراسة نشرتها جريدة الأهرام في حينها بعنوان تأملات في الواد التقيل والقلب الكاروهات، حيث أشرت إلى المنظر الذي تقول فيه سعاد حسني: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا كده أي أنها قررت أن تكون فاعلا لا متلقيا سلبيا . ثم شاهدت بعد سنتين مسلسلا تليفزيونيا يسمى مغامرات المعلم عماشة فكتبت مقالا في الطليعة بعنوان بين أحزان فاتن حمامة وأفراح المعلم عماشة، وقد بينت ساعتها أن أفلام فاتن حمامة كانت تمييزا واضحا بين فاتن حمامة ( العذراء ) وميمي شكيب ( الغانية ) ولكن المسلسل السابق ذكر كسر الحواجز بين الاثنين ، ففي أحد المناظر يجلس المعلم عماشة بين صحفية وراقصة ويعنبر لهما (أي يقبلهما حسب لغة المسلسل ) الواحدة بعد الأخرى ، وهنا يمكن أن نتساءل: هل هناك متتالية حلقاتها مترابطة بدأت بالمعلم عماشة ثم وصلت إلى روبي وأخواتها؟ وهل هذه المتتالية حتمية ، أم أننا يمكننا أن نفعل شيئا ما لنوقفها عن التحقق إن أردنا ذلك؟
إن الثقافة الشعبية ( والفيديو كليب من أهم أشكالها الآن ) تؤثر فينا ولا يمكن أن تترك مثل هذه الأمور لمقاولي الفنانين دون دراسة أو تحليل .
والمتعة في حالة الفيديو كليب متعة أساسا جنسية ولذا فهي متعة بسيطة أحادية تستبعد عالم الموسيقى والطرب وجمال الطبيعة وكل العلاقات الإنسانية الأخرى .
وهنا قد يطرح علي قارئ ماكر سؤالا آخر ، ألا تتمتع برؤية الفيديو كليب؟ والرد هو نعم أتمتع بها ، ولعل القارئ قد لاحظ أن وصفي للراقصات لم يكن محايدا أو موضوعيا ، فقد أشرت إلى أنهن حسناوات رقيقات لذيذات يتحركن رأسيا وأفقيا بشكل مستمر يثير الدهشة ويدير الرأس ( بما في ذلك رأسي بطبيعة الحال ) ويمكن أن أتحدث عن الديكور والماكياج وما يرتدين ( أو لا يرتدين ) من ملابس . يمكن أن أتحدث عن كل هذا بعين خبير غير متخصص ، ولكن هل القضية هي مدى ما يقدمه الفيديو كليب من متعة؟ ألا يتضمن السؤال تحيزا واضحا للمتعة الفردية وكأنها الهدف الوحيد من الحياة ، وكأن حياة الإنسان لا يوجد فيها أبعاد أخرى ، وكأن الفرد ( ومقدار ما يحصل عليه من لذة من خلال المشاهدة ) هو المرجعية الوحيدة والمطلقة . ولكن ماذا عن المجتمع والأسرة ، أليس من المفروض أن تكون الوحدة التحليلية هي المجتمع وتوجهه ومصلحته ، والأسرة وتماسكها ، وليس الفرد ولذته ومتعته؟ أوليس من حقنا كبشر (والإنسان كائن اجتماعي بالدرجة الأولى ) أن نطرح أسئلة أخرى تتناول جوانب أخرى من حياة البشر؟ وقد لاحظت أن كل من تناول ظاهرة الفيديو كليب قد ركز على ظاهرة العري وعلى"كده"وأنا بطبيعة الحال أتفق معهم في الرأي بخصوص العري والإباحية ، وبخصوص"كده"ولكنني أرى أن هذا يمثل جانبا واحدا من القضية ، إذ يمكننا أن نسأل عن أثر الفيديو كليب على نسيج المجتمع وعلى بناء الأسرة ، فالفيديو كليب لا يقدم مجرد أنثى تغني وترقص وتتعرى وتتلوى، بل إنه يعبر عن رؤية كاملة للحياة ، نقطة انطلاقها ـ كما أسلفنا ـ هو الفرد الذي يبحث عن متعته مهما كان الثمن .
والمتعة في حالة الفيديو كليب متعة أساسا جنسية ولذا فهي متعة بسيطة أحادية تستبعد عالم الموسيقى والطرب وجمال الطبيعة وكل العلاقات الإنسانية الأخرى . والفيديو كليب بتركيزه على هذا الجانب وحده يسهم في تصعيد السعار الجنسي (في مجتمع فيه أزمة زواج ) ولكن من المعروف أن تصعيد السعار الجنسي مرتبط تماما بتصعيد الشهوات الاستهلاكية ، وهذا ما أدركته تماما صناعة الإعلانات التليفزيونية ، فمعظم الإعلانات تلجأ إلى الجنس لبيع السلع ، فالسعار الجنسي يفصل الفرد عن مجتمعه وأسرته ، وعن أي منظومة قيمية اجتماعية ، فيحاول تحقيق ذاته من خلال منظومة المتعة الفردية والمنفعة الشخصية ، والتي تترجم نفسها عادة إلى استهلاك السلع والمزيد من السلع (في مجتمع تعيش غالبيته إما تحت خط الفقر أو فوقه ببضعة سنتيمترات وجنيهات خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار ) .