إن الفيديو كليب يختزل الأنثى (والإنسان ككل ) إلى بعد واحد هو جسده ، فيصبح الجسد هو المصدر الوحيد لهوايته ، وهي هوية ذات بعد واحد لا أبعاد لها ولا تنوع فيها (ومن هنا التكرار المميت في الفيديو كليب ) ، ولنقارن كده التي تقولها سعاد حسني بـ كده التي تقولها روبي بجسدها ، فكده التي قالتها سعاد حسني كانت عبارة عن إعلان استقلال الفتاة المصرية ورفضها أن تكون كائنا سلبيا في علاقتها بالرجل الذي تحبه ، فزوزو لا تبكي ولا تنهزم حينما تقع في غرام البطل وإنما تهز رأسها بطريقة غزلة لعوب وتقول: يا واد يا تقيل ، ثم تقرر اصطياده ، وتنط كما الزمبلك من كنبة لكرسي لترابيزة وتغني أغنية الأنثى الجديدة ، فتصف صاحبنا بأنه بارد كجراح بريطاني، هادي وراسي وكأنه أمين شرطة أو دبلوماسي (وكلاهما صاحب سلطة ومكر ودهاء ) وهو متحفظ للغاية يرد بالقطارة فكأنه الرجل الغامض (الشخصية الروائية الأفرنجية غير الحقيقية ) ، ويسير كأنه تمثال رمسيس الثاني (الفرعون المغرم بالتماثيل الضخمة ) . والإشارات هنا تدل كلها على الذكورة والفحولة والضخامة والسيطرة ، ولكن السياق والنبرة العامة للأغنية يدلان على أن الغرض من التضخيم ليس التفخيم وإنما فضح ادعاءات الرجل المصري عن نفسه ، ولذلك فكل صور الفخامة تسبقها عبارات مثل ما تقولشي وبسلامته واسم الله ، وهي عبارات تشككنا في جدية هذه الصور وتحول الذكر الضخم إلى طفل صغير تتلاعب به هذه الأنثى الحقيقية . وحينما يقف أبو شوارب ويعلن أن الكون مش قد مقامه وأنه أطول واحد في الحارة نعرف أنه ضحية مؤامرة تشهير ضخمة وأن الفتاة الزمبلك قد نصبت له فخا ، وأوهمته أنه الصياد المفترس التقيل ، وهو في واقع الأمر ليس سوى صيدة سهلة ولقمة سائغة ، إنها تعلم أنه لا داعي للمقاومة فهو لن يغلبها رغم ضخامته الأسطورية ورغم ثقله التاريخي . كل هذا يقف على طرف النقيض من كده في أغنية روبي ، فهي إعلان أن الفتاة إن هي إلا جسد متحرك لذيذ ، واللي ما يشتري يتفرج . إنها في نهاية الأمر مفعول به ، رغم جاذبيتها الجنسية التي لا يمكن إنكارها ! (لماذا لم تتحرك حركات تحرير المرأة لامتهان الأنثى بهذه الطريقة؟ )
والإنسان الجسماني الاستهلاكي المنشغل بتحقيق متعته الشخصية يدور في دائرة ضيقة للغاية خارج أي منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية ، ولذا نجد أن ولاءاته للمجتمع وللأسرة تتآكل بالتدريج ، كما أن انتماء مثل هذا الشخص لوطنه ضعيف للغاية إن لم يكن منعدما.
يمكننا أن نضع الفيديو كليب في سياق أوسع ، وهو سياق العولمة، فجوهر العولمة هو عملية تنميط العالم بحيث يصبح العالم بأسره وحدات متشابهة
والآن انظر لخلفية الفيديو كليب ستجد أنها لا أرض لها ولا وطن ، فأحيانا الخلفية هندية ، وأحيانا أخرى أمريكية ، وثالثة أوروبية ، والبنات في معظم الأحيان شقراوات ، وحتى لو كن من بنات البلد فما يرتدينه (أو لا يرتدينه ) من ملابس لا علاقة له بما نعرفه في حياتنا . كما أن أبطال الفيديو كليب عادة يركبون سيارات فارهة وأحيانا يظهرون في قصور ، وكل هذا بطبيعة الحال يصعد الشهوة الاستهلاكية ويضعف الانتماء .
بعد كل هذه المقدمات يمكننا أن نضع الفيديو كليب في سياق أوسع ، وهو سياق العولمة، فجوهر العولمة هو عملية تنميط العالم بحيث يصبح العالم بأسره وحدات متشابهة ، هي في جوهرها وحدات اقتصادية تم ترشيدها ، أي إخضاعها لقوانين مادية عامة مثل قوانين العرض والطلب، والإنسان الذي يتحرك في هذه الوحدات هو إنسان اقتصادي جسماني لا يتسم بأي خصوصية ، ليس له انتماء واضح ، ذاكرته التاريخية قد تم محوها ، وإلا لما أمكن فتح الحدود بحيث تتحرك السلع ورأس المال بلا حدود أو سدود أو قيود .
فالخصوصيات الثقافية والأخلاقية تعوق مثل هذا الانفتاح العالمي ، وفي غياب الانتماء والهوية والمنظومات القيمية والمرجعيات الأخلاقية والدينية تتساوى الأمور ، ويصبح من الصعب التمييز بين الجميل والقبيح ، وبين الخير والشر ، وبين العدل والظلم ، وتسود النسبية المطلقة ، وأهم تعبير أيديولوجي عن العولمة هو فلسفة ما بعد الحداثة التي يطلق عليها أيضا anti-foundationalism والتي يمكن ترجمتها حرفيا بعبارة ضد الأساس والتي يمكن ترجمتها بتصرف رفض المرجعيات ، مما يعني السقوط في اللاعقلانية الكاملة ، وقد وصف رورتي ما بعد الحداثة أنها تعني أن الإنسان لن يقدس شيئا حتى ولا نفسه ، فهي ليست معادية للدين والأخلاق وحسب ، بل معادية للإنسان ذاته .
هل يمكن ربط جسد راقصات الفيديو كليب بالنظام العالمي الجديد؟ والرد هو بالإيجاب